بين 10 أدباء ... كيف قرأ الروائي المصري الواقع؟

في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1957، بدأ المفكر الاجتماعي المصري السيد ياسين مسيرته البحثية داخل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، واضعًا نفسه منذ اللحظة الأولى أمام اختبار صارم بين الحس الإبداعي ومتطلبات المعرفة العلمية. كان يؤمن بأن لكل بداية ثمنها، وأن الانخراط الجاد في البحث الاجتماعي يستلزم انضباطًا قاسيًا وتنازلًا واعيًا عن غواية الأسلوب الأدبي، فآثر أن يضع مسافة فاصلة بينه وبين الكتابة الإبداعية، خشية أن تخلخل البلاغة صفاء التحليل ودقته.


كيف قرأ الروائي المصري الواقع؟
كيف قرأ الروائي المصري الواقع؟


ومضيًا في هذا الاختيار الصعب، آثر ياسين الابتعاد عن متابعة الإنتاج الأدبي سنوات طويلة، مكرسًا جهده لبناء أدواته المعرفية في العلوم الاجتماعية، ومتشربًا قواعد المنهج العلمي الصارمة التي تفرض على الباحث كبح عواطفه الشخصية وتحييد رؤيته الذاتية عند الاقتراب من الواقع الاجتماعي.

ولم يكن هذا الموقف استثناءً، بل كان تعبيرًا عن تقليد علمي راسخ ساد حقول البحث الاجتماعي، حيث اتسعت الفجوة بين العلم والأدب، واكتفى علماء الاجتماع بلغة محايدة باردة تصف الظواهر بالأرقام والمؤشرات، دون أن تنفذ غالبًا إلى أعماق الصراع الاجتماعي أو التحولات النفسية المعقدة التي يعيشها الأفراد داخل البنية الطبقية للمجتمع المصري.

غير أن هذا التصور الصارم بدأ في التصدع حين انتقل السيد ياسين إلى فرنسا عام 1963 لاستكمال دراساته العليا، فهناك وجد مناخًا فكريًا مختلفًا يعيد النظر في القطيعة التقليدية بين الأدب والعلوم الاجتماعية. ومع صعود اتجاهات معرفية جديدة، مثل التحليل الاجتماعي للأدب، أعاد ياسين تقييم موقفه السابق، وخلص إلى أن الرواية تمتلك قدرة فريدة على الإمساك بنبض الواقع الاجتماعي، والتقاط تفاصيله الدقيقة التي تعجز المناهج العلمية المجردة عن احتوائها.

من هنا، أكد السيد ياسين أن الروائي، بحساسيته المرهفة وقدرته على النفاذ إلى التجربة الإنسانية، قد يكون أقدر من الباحث الاجتماعي على تصوير الواقع في تعقيداته الحية. وانطلاقًا من هذا الإدراك، يأتي هذا الاختيار لعشر روايات تناولت التاريخ المصري عبر مراحل زمنية متباينة، لم يكتبها أصحابها بوصفهم مبدعين فحسب، بل كمؤرخين اجتماعيين ونقاد للواقع، تتيح أعمالهم قراءة التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المصري من الداخل، عبر السرد والحكاية لا عبر الأرقام والجداول.

لم يكن الأدب، عبر تاريخه، مجرد انعكاس جمالي للواقع، بل كان أحد أكثر الوسائط قدرة على ملاحقة التحولات العميقة التي تصيب المجتمعات من الداخل. وقد لعبت الرواية والقصة القصيرة على وجه الخصوص دورًا حاسمًا في تسجيل التغيرات الاجتماعية، لا بوصفها وقائع جامدة، بل باعتبارها خبرات إنسانية حية، تُرى وتُحس وتُعاش. ومن هنا جاء إلحاح المفكر الاجتماعي السيد ياسين على ضرورة أن يتجاوز الباحثون الاجتماعيون حدود المناهج الأكاديمية الصارمة، وأن يولوا النصوص الأدبية اهتمامًا جادًا، باعتبارها مصدرًا معرفيًا لا يقل أهمية عن الوثائق والإحصاءات.

فالمعرفة الأكاديمية، مهما بلغت دقتها، تميل بطبيعتها إلى اختزال الظواهر الاجتماعية في أرقام ومؤشرات، وتفقد كثيرًا من حرارة التجربة الإنسانية وتعقيداتها النفسية والوجدانية. أما الأدب، فيعيد لهذه الظواهر نبضها، ويكشف ما يتوارى خلف الأرقام من صراعات خفية، وتناقضات قيمية، وأسئلة الهوية والسلطة والتحديث، وهي كلها عناصر لا تُدرك إلا عبر السرد والتخييل.

حديث عيسى بن هشام – محمد المويلحي

على الرغم من شيوع التأريخ لبداية الرواية المصرية برواية «زينب» لمحمد حسين هيكل الصادرة عام 1914، فإن هذا التصنيف يُغفل أعمالًا سردية سابقة أسهمت بعمق في التأسيس المبكر لفن الرواية في مصر، وإن لم تتطابق شكليًا مع النموذج الغربي للرواية. ويأتي في مقدمة هذه الأعمال كتاب «حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي، الذي يُعد واحدًا من النصوص المفصلية في تاريخ السرد العربي الحديث.

اعتمد المويلحي في هذا العمل على قالب المقامة العربية، مستلهمًا شخصية عيسى بن هشام، الراوي الشهير في مقامات بديع الزمان الهمذاني، لكنه أعاد توظيف هذا الشكل التراثي ليعالج قضايا معاصرة عاشها المجتمع المصري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فجاء النص مزيجًا فريدًا من القديم والحديث، يجمع بين السجع والازدواج اللفظي وخفة الظل من جهة، والرؤية النقدية الحادة للواقع الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى.

ومن خلال الرحلة الساخرة التي تجمع بين عيسى بن هشام ورجل يُبعث من قبره ويُلقب لاحقًا بـ«الباشا»، يرصد المويلحي مظاهر التحديث التي شهدها المجتمع المصري آنذاك، كالنظام القضائي، وجهاز الشرطة، والتعليم، والمسرح، كاشفًا ما شابها من تشوهات وازدواجية. فالتحديث، في نظره، لم يكن انتقالًا واعيًا إلى الحداثة، بل محاكاة سطحية لمظاهرها، أفرغتها من مضمونها الحقيقي، وخلقت أنظمة هشة تجمع بين فساد القديم واضطراب الجديد.

وبهذا المعنى، لا يُعد «حديث عيسى بن هشام» مجرد نص ساخر أو عمل أدبي تراثي الطابع، بل وثيقة اجتماعية نقدية تكشف أزمة الانتقال التاريخي من مجتمع تقليدي إلى مجتمع يسعى إلى الحداثة دون امتلاك أدواتها. وهو ما يمنح العمل مكانته بوصفه أحد الجذور الأساسية للرواية المصرية الحديثة، ونموذجًا مبكرًا لقدرة الأدب على تشريح المجتمع وتحليل تحوّلاته بعمق سبق كثيرًا من الدراسات السوسيولوجية اللاحقة.


حديث عيسى بن هشام – محمد المويلحي
حديث عيسى بن هشام – محمد المويلحي


يوميات نائب في الأرياف – توفيق الحكيم

تُعَدُّ رواية «يوميات نائب في الأرياف» من النصوص المؤسسة في مسار الواقعية الاجتماعية في الأدب المصري، ومن الأعمال التي تحتفظ بقدرتها على الإدهاش مهما تكررت قراءتها. استلهم توفيق الحكيم مادتها من تجربته الشخصية حين عُيّن وكيلًا للنيابة في إحدى قرى الريف المصري، فجاءت الرواية أقرب إلى سجل يومي دقيق للمشاهدات التي عايشها بنفسه، ودوّنها في صورة يوميات كُتبت خلال فترة زمنية محددة بين 11 و23 أكتوبر عام 1930.

ومن خلال بناء سردي بسيط ومباشر، يرصد الحكيم واقع الريف المصري في بدايات القرن العشرين، كاشفًا عن مستويات عميقة من الفقر والجهل والعزلة، وعن الفجوة الواسعة بين القوانين المكتوبة في العاصمة وتطبيقها المرتبك في القرى. وتتحول الجريمة الغامضة التي تدور حولها الأحداث إلى ذريعة فنية لفضح عجز الجهاز الإداري والقضائي، حيث تتبدى العدالة بوصفها سلسلة من الإجراءات الورقية الباردة، لا أداةً حقيقية لإنصاف الناس.

كما تتجاوز الرواية نقد الأوضاع الريفية لتقدم رؤية أوسع للمرحلة الليبرالية في مصر، منتقدة تضخم البيروقراطية، وتفشي الفساد السياسي، واضطراب الحياة الحزبية، وانفصال النخبة الحاكمة عن الواقع الاجتماعي للطبقات الفقيرة. وبهذا المعنى، لا تكتفي «يوميات نائب في الأرياف» بتسجيل تجربة شخصية، بل تتحول إلى وثيقة اجتماعية وسياسية تكشف مبكرًا اختلالات الدولة الحديثة في علاقتها بالمجتمع، وتؤكد قدرة الأدب على مساءلة السلطة ورصد تناقضاتها بعمق إنساني نافذ.


يوميات نائب في الأرياف – توفيق الحكيم
يوميات نائب في الأرياف – توفيق الحكيم


روايتا الحرام والعيب – يوسف إدريس

تُعد رواية «الحرام» من أبرز أعمال يوسف إدريس التي تناولت الريف المصري وصراعات المهمشين، لا سيما عمال التراحيل الذين يعيشون تحت وطأة الفقر والظروف القاسية. تنقّب الرواية في ازدواجية القيم الاجتماعية، وتعرض مفاهيم الشرف والفضيلة في مواجهة قسوة الواقع، مظهرة كيف يمكن للضغوط الاقتصادية والاجتماعية أن تدفع الأفراد، خصوصًا النساء، إلى اتخاذ قرارات مجحفة بحق أنفسهم أو المجتمع. من خلال سرد درامي متماسك، يقدم إدريس رؤية نقدية عميقة للريف المصري، حيث تتشابك المأساة الإنسانية مع الظلم الاجتماعي، فتتحول التجربة الفردية إلى انعكاس لصراع أوسع داخل المجتمع.

في المقابل، تُركّز رواية «العيب» لنفس الكاتب على المجتمع الحضري وصراع الأفراد مع القيم الأخلاقية والمؤسسات الرسمية. تدور الأحداث حول فتاة تعمل في مصلحة حكومية كانت تقليديًا حكراً على الرجال، وتُظهر الرواية الضغوط الأخلاقية والاجتماعية التي تواجهها في بيئة رسمية تتسم بالقوانين غير المكتوبة، والرشوة، والتناقض بين ما هو معلن وما هو واقع. من خلال هذه التجربة، يقدم إدريس تحليلًا اجتماعيًا دقيقًا للسقوط الأخلاقي في المدن، مسلطًا الضوء على التحديات التي تواجه المرأة العاملة في مجتمع ما يزال محافظًا، وموثقًا الفجوة بين القانون


روايتا الحرام والعيب – يوسف إدريس
روايتا الحرام والعيب – يوسف إدريس


الثلاثية – نجيب محفوظ

ثلاثة أدباء فقط نجوا من سخط ومراجعات جيل الستينيات القاسية تجاه من سبقوهم: يحيى حقي، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ. فقد نشأ هذا الجيل في ظل تحولات اجتماعية وسياسية كبرى أتاحها العهد الناصري، من إصلاح زراعي ومجانية التعليم واتساع الطبقة الوسطى، ثم تلقّى صدمة الهزيمة في عام 1967، فانهار معه الحلم الكبير بالمشروع القومي. وفي مواجهة هذا الانكسار، عاد أبناء جيل الستينيات إلى أعمال هؤلاء الثلاثة ليجدوا فيها مرآة صادقة للمجتمع المصري قبل الهزيمة؛ مجتمعًا تتجاور فيه التقاليد الصلبة مع بوادر التغيير، وتتصارع داخله القيم القديمة مع أسئلة الحرية والعدالة.

وكان لنجيب محفوظ مكانة استثنائية بينهم، إذ اكتمل على يديه نضج الرواية المصرية فنيًا وبنائيًا وفكريًا. فقد بلغت أعماله من الإحكام والدقة والصدق الاجتماعي ما لم يبلغه كاتب مصري قبله، فاستطاع أن يجعل من الرواية أداةً دقيقة لتشريح المجتمع المصري وتحولاته. لم يكن محفوظ مجرد راوٍ للحكايات، بل كان مؤرخًا اجتماعيًا يلتقط حركة الزمن داخل البيوت والشوارع والمقاهي، ويحوّل التفاصيل اليومية العادية إلى دلالات كبرى على التغير الاجتماعي والسياسي. وتُعد الثلاثية ذروة هذا المشروع السردي.

وترى الدكتورة سيزا قاسم، أستاذة الأدب المقارن بالجامعة الأميركية، أن ثلاثية نجيب محفوظ تنتمي إلى ما يُعرف بـ روايات الأنهار أو روايات الأجيال، وهي الروايات التي تتبع مسار الزمن عبر أجيال متعاقبة، كأن السرد نهر طويل تتفرع منه مصائر الشخصيات. وتنقسم الثلاثية إلى ثلاث روايات: «بين القصرين»، و**«قصر الشوق»، و«السكرية»**، وتدور أحداثها خلال فترة شديدة الثراء تاريخيًا، تبدأ من سنوات الحرب العالمية الأولى، مرورًا بما قبل ثورة 1919، ثم ما بعدها.

ومن خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد، إحدى أسر الطبقة الوسطى التي تقطن حيًّا شعبيًا من أحياء القاهرة القديمة، يرسم محفوظ لوحة بانورامية للمجتمع المصري. نرى تعاقب الأجيال، وسطوة الأب المستبد في مواجهة أبنائه، وتباين المواقف الفكرية والسياسية بين الشخصيات، واختلاف أحلامهم ومصائرهم. وتتحول الأسرة إلى نموذج مصغّر للمجتمع كله، حيث تتجسد الصراعات بين السلطة والحرية، وبين الجمود والتغيير، وبين ما يرثه الأبناء من الآباء وما يحاولون التمرد عليه أو تجاوزه.

بهذا المعنى، لا تمثل الثلاثية مجرد سرد عائلي، بل تُعد ملحمة اجتماعية كبرى تؤرخ لتحولات المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، وتكشف كيف يصنع التاريخ الكبير أثره العميق في الحياة اليومية للأفراد.

فالثلاثية ليست مجرد عمل روائي بالمعنى التقليدي، وإنما ملحمة اجتماعية متكاملة تتكاثف فيها الوقائع التاريخية مع التفاصيل اليومية، وتتشابك فيها مصائر الأفراد مع حركة المجتمع ككل. تزخر الثلاثية بطيف واسع من الأنماط الإنسانية التي تمثل طبقات المجتمع المختلفة، وتكشف عن الصراع الاجتماعي في مستوياته المتعددة، من صراع داخل الأسرة الواحدة، إلى صراع الطبقات، ثم الصراع الأيديولوجي والسياسي الذي صاحب نشوء الوعي الوطني الحديث. وتبرز في الروايات إشكاليات التحديث وما صاحبه من ارتباك وتشوهات، والنضال من أجل الاستقلال الوطني، إلى جانب محاولات الأفراد التكيّف مع إيقاع التغيّرات الاجتماعية المتسارعة، حيث يتجاور السعي إلى الخلاص الفردي مع الحلم الجمعي بالتحرر وبناء النهضة.

ويؤكد نجيب محفوظ نفسه هذا المعنى حين يقول: «الثلاثية تحمل وجهة نظر مؤكدة نجدها في خط سير معين للأحداث، يمكن تلخيصها في كلمتين، إنها الصراع بين تقاليد فخمة ثقيلة وبين الحرية في مختلف أشكالها السياسية والفكرية»، فبهذا الصراع الجوهري تتحدد مسارات الشخصيات، وتتشكل اختياراتها، وتتبدى ملامح التحول العميق في بنية المجتمع المصري. ولم يكن تتويج محفوظ بجائزة نوبل للأدب إلا اعترافًا عالميًا بقيمة هذا المشروع الروائي، الذي لم يكتفِ بتشريح المجتمع المصري ورصد موجات تغيره العنيفة على امتداد ما يقارب نصف قرن، بل غاص في أعماق شخصياته كاشفًا مكنون النفس البشرية، وما يعتمل في قلب الإنسان المصري من قلق وأحلام وتناقضات، منذ ثورة 1919 وحتى خمسينيات القرن الماضي، في واحدة من أصدق وأعمق الملاحم السردية في الأدب العربي الحديث.


الثلاثية – نجيب محفوظ
الثلاثية – نجيب محفوظ


الباب المفتوح – لطيفة الزيات

تُعد رواية «الباب المفتوح» نقطة فارقة في تاريخ الرواية المصرية الحديثة، لأنها لم تضع المرأة في هامش الأحداث، بل جعلتها محور الصراع والتغيير، جامعًة بين البعد الشخصي والاجتماعي والسياسي. ترتكز الرواية على حياة البطلة ليلى منذ صغرها مرورًا بمرحلة المراهقة ونضوجها، لتربط بين تحررها الفردي من قيود الأسرة والمجتمع الأبوي وبين تحرر الوطن من الاحتلال، فتصبح تجربة ليلى مرآة لما يعانيه المجتمع المصري في مرحلة ما بين 1946 و1956.

تعكس الرواية كذلك تناقضات الطبقة الوسطى المصرية، بما فيها الصراعات الداخلية بين القيم التقليدية والتطلعات الحديثة، والاختلافات بين الأعراف الاجتماعية المعلنة والممارسات اليومية، فتقدم صورة معقدة وحية للمجتمع. من خلال أسلوبها السردي الرشيق واللغة الواضحة، استطاعت الزيات أن تدمج بين التحليل الاجتماعي والتجربة الفردية، فبرزت الرواية كوثيقة فكرية وسياسية، إلى جانب كونها عملًا أدبيًا متقنًا، مؤسِّسًا لرؤية جديدة في الكتابة الروائية النسوية في مصر والعالم العربي.


الباب المفتوح – لطيفة الزيات
الباب المفتوح – لطيفة الزيات


الرجل الذي فقد ظله – فتحي غانم

تُعد رواية «الرجل الذي فقد ظله» لفتحي غانم نموذجًا للرواية متعددة الأصوات، إذ تستخدم أربع وجهات نظر مختلفة لتقديم صورة شاملة عن شخصية الصحافي يوسف عبد الحميد السويفي وصعوده في عالم الصحافة والفن. الجزء الأول يروي الأحداث من منظور مبروكة الخادمة التي تزوجت والده، ويكشف عن حياة يوسف كطالب جامعي وعلاقته بأسرته. الجزء الثاني يقترب من يوسف عبر صديقته سامية سامي، بينما الجزء الثالث يحكيه محمد ناجي المحرر الصحفي، والجزء الرابع يعود للرواية من وجهة نظر يوسف نفسه، موضحًا صعوده المهني على حساب أصدقائه وزملائه القدامى.

تتميز الرواية بقدرتها على تقديم رؤية نقدية شاملة للمجتمع المصري قبل ثورة يوليو 1952، مركزة على واقع الصحافة والفن وعلاقات السلطة والنفوذ، وكذلك الصراعات الأخلاقية والاجتماعية التي يواجهها الأفراد في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب. وبفضل تعدد الأصوات، تقدم الرواية قراءة عميقة للنفوس البشرية، وتوضح كيف يمكن للتجارب الفردية أن تعكس التغيرات الأكبر في المجتمع والثقافة المصرية في تلك الحقبة.


الرجل الذي فقد ظله – فتحي غانم
الرجل الذي فقد ظله – فتحي غانم


أيام الإنسان السبعة – عبد الحكيم قاسم

تمثل رواية «أيام الإنسان السبعة» لعبد الحكيم قاسم خطوة نوعية في تصوير الريف المصري بطريقة مغايرة لما اعتاد الأدب قبله. فالقصة لا تقتصر على رصد الواقع الاجتماعي أو الظروف الاقتصادية، بل تمزج بين العالم الروحي والتصوف والحياة اليومية للقرية، لتقديم تجربة شاملة ومعمقة للريف. تنقسم الرواية إلى سبعة فصول تحمل أسماء أيام الأسبوع الرمزية: "الحضرة، الخبيز، السفر، الخدمة، الليلة الكبيرة، الوداع، الطريق"، حيث تُسلط كل فصل الضوء على جانب من حياة القرية، بدءًا من ليلة الحضرة والطقوس الدينية وصولًا إلى الاستعدادات الروتينية للحياة اليومية.

تميزت الرواية بأسلوب لغوي جديد، نابع من حساسية أدبية وصوت جيل الستينيات الذي سعى إلى التعبير عن الواقع الاجتماعي المعاصر بلغة صادقة وحساسية فنية، مغايرة للغة الجيل السابق. كما أنها تعكس قدرة الأدب على تجاوز الحدود التقليدية للرواية الريفية، ودمج التجربة الفردية للشخصيات مع التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها الريف المصري في تلك الحقبة، فتبرز الرواية كوثيقة فنية وسوسيولوجية في الوقت نفسه.


أيام الإنسان السبعة – عبد الحكيم قاسم
أيام الإنسان السبعة – عبد الحكيم قاسم


الزيني بركات – جمال الغيطاني

تُعتبر رواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني علامة فارقة في الأدب المصري المعاصر، فهي لا تقتصر على كونها رواية تاريخية، بل تتجاوز ذلك لتصبح تشريحًا للنظام السلطوي وأثره على المجتمع البشري عبر الأزمنة. استلهم الغيطاني العصر المملوكي، مستخدمًا شخصية المحتسب الزيني بركات وسجلاته في كتابه «بدائع الزهور» لتقديم قراءة نقدية للحاضر، مستعرضًا كيف تتكرر أنماط السلطة والقمع والتلاعب بالمجتمع عبر العصور.

تمزج الرواية بين الدقة التاريخية والسرد الأدبي المبتكر، فالغيطاني يوظف الأحداث التاريخية كمرآة لتعكس التناقضات الاجتماعية والسياسية في مصر الحديثة. ومن خلال هذه الرؤية، تتضح قدرة الرواية على نقد السلطة واستكشاف الديناميات الاجتماعية والسياسية التي تشكل الواقع المصري، مما يجعلها عملًا متعدد الأبعاد يجمع بين التاريخ والتحليل الاجتماعي والفن السردي، مبرزًا براعة الغيطاني في تحويل الماضي إلى أداة لفهم الحاضر والتنبؤ بمآلات السلطة والمجتمع.


الزيني بركات – جمال الغيطاني
الزيني بركات – جمال الغيطاني


ذات – صنع الله إبراهيم

تُعد رواية «ذات» لصنع الله إبراهيم مرآة حية للتحولات التي مرت بها الطبقة الوسطى المصرية منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر مرورًا بأنور السادات وحتى عصر حسني مبارك. تستعرض الرواية تأثير سياسات الانفتاح الاقتصادي والهجرة للخليج على القيم والسلوكيات اليومية، بالإضافة إلى التغيرات في نمط المعيشة والثقافة الاجتماعية.

تركز الرواية على شخصية البطلة ذات، التي تعمل في أرشيف صحيفة يومية، لتصبح حياتها الشخصية فضاءً يحاكي تحولات المجتمع. ويستخدم الكاتب العمارة السكنية التي تعيش فيها البطلة كرمز للمجتمع، حيث تتحول شققها وممراتها إلى مرايا تعكس الصراعات والتوترات الاجتماعية. كما توظف الرواية مقاطع صحافية وأخبارية من الجرائد الحكومية والمعارضة لتكثيف الجو العام، ما يربط بين التجربة الفردية والتغيرات الكبرى في المجتمع المصري.

بهذا الأسلوب، تجمع الرواية بين السرد الأدبي والتحليل الاجتماعي والسياسي، لتصبح وثيقة سردية توثق واقع المجتمع المصري على مدى ستة عقود، وتكشف عن تأثير الأحداث التاريخية والسياسات الاقتصادية على الأفراد وأساليب حياتهم ومفاهيمهم الثقافية والأخلاقية.


ذات – صنع الله إبراهيم
ذات – صنع الله إبراهيم


رضوى عاشور - أثقل من رضوى

رواية أثقل من رضوى لرضوى عاشور تربط بين البعد الشخصي والبعد العام، حيث تجعل البطلة نسخةً من المؤلفة نفسها، محمّلة النصوص بمقاطع سيرة ذاتية تمزج بين تجربتها الشخصية خلال رحلة مرضها الأخير وبين مشاهداتها لما جرى في مصر خلال ثورة 25 يناير 2011 وما تبعها من أحداث مفصلية مثل جمعة الغضب، وأحداث محيط مجلس الوزراء، ومحمد محمود، والإعلان الدستوري، وغيرها من الوقائع التي شكلت تاريخ مصر المعاصر.

وبفضل حسها المرهف ولغتها الرشيقة وأسلوبها السردي الممتع، استطاعت عاشور توثيق هذه الثورة من منظور شخصي وإنساني، مركزة على ميدان التحرير، والجامعة، والشهداء، والحياة اليومية بعد سن السابعة والستين، والتجربة الإنسانية مع المرض والكتابة. ومن خلال هذا المزج، أصبحت الرواية شهادة حية على الواقع الاجتماعي والسياسي، تشهد على قدرة الأدب على التقاط نبض التاريخ والواقع، كما كانت لفترات طويلة أداة لتأمل الأحداث الكبرى وتأثيرها على الأفراد والمجتمع.

تلاقت تجربة عاشور هنا مع تجربة لطيفة الزيات في العمل الأدبي والسيرة الذاتية، فكلاهما جمع بين النقد الأدبي والتعليم الأكاديمي وبين إنتاج روائي غني ومتنوع، ففي حين قد تكون الزيات قد ركزت على التغيرات الاجتماعية والسياسية في فترة الأربعينيات والخمسينيات، فقدمت عاشور سردًا موازياً لأحداث القرن الواحد والعشرين. وأعمالها الروائية المتعددة مثل "الطنطورية"، "أطياف"، "سراج"، "فرج"، "ثلاثية غرناطة"، و"خديجة وسوسن"، تعكس اتساع مجالها الأدبي والبحثي، وهو ما أهلها للحصول على الدكتوراه في الأدب الأفرو-أميركي من جامعة ماساتشوستس عام 1975.


رضوى عاشور - أثقل من رضوى
رضوى عاشور - أثقل من رضوى


ختامًا؛ جميع هؤلاء الأدباء آمنوا بمقولة إنجلز: "لقد عرفت عن الثورة الفرنسية من قصة مدينتين لتشارلز ديكنز أكثر مما عرفته من عشرات المؤرخين الذين كتبوا عن هذه الثورة". فالأدب الروائي، بقدر ما هو إبداع، يصبح أداة لتوثيق الواقع الاجتماعي وتحليل التحولات المجتمعية، فتتحول شخصية الأديب من مجرد مبدع إلى مؤرخ وناقد اجتماعي، لذلك، كثيرًا ما يتوقف الأدباء عن الكتابة لفترة عندما يشهد المجتمع حدثًا قويًا، ليستوعبوا تحولات الواقع ويكتبوا عنها بعمق، كما فعل نجيب محفوظ بعد حركة الضباط 1952، ليعكس في رواياته مثل "ميرامار"، "السمان والخريف"، و"ثرثرة فوق النيل" ملامح المجتمع الجديد وآثاره على الأفراد والجماعات.

اقرأ أيضاً:

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال