خوسيه ساراماغو: حين يصبح الصمت صرخة والأدب مختبرًا للحياة
يصعب الحديث عن الأدب العالمي في القرن العشرين دون التوقف مطولًا أمام ظاهرة خوسيه ساراماغو (1922-2010). فهذا المهندس السردي الفريد من نوعه الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1998 أسس مدرسة خاصة به، حوّل فيها الكلمة إلى تيار وعي متدفق، والصمت إلى صرخة روحية مدوية، والرواية إلى مختبر فلسفي لاستكشاف أعمق الأسئلة الإنسانية.
![]() |
| خوسيه ساراماغو |
بدايات متأخرة ونضج صامت
وُلد خوسيه دي سوزا ساراماغو عام 1922 في قرية أزينهاغا البرتغالية لعائلة من الفلاحين المعدمين، طبعت طفولته المتواضعة وبساطة الحياة الريفية مخيلته الأدبية بعمق، انتقل في شبابه إلى لشبونة وعمل في مهن متعددة، من ميكانيكي سيارات إلى صحفي ومترجم، قبل أن يُصدر روايته الأولى "أرض الخطيئة" عام 1947.. لم يلقَ العمل النجاح المأمول، فدخل خوسيه ساراماغو في صمت أدبي طويل دام ما يقرب من عقدين، لكن ذلك الصمت لم يكن فراغًا، بل كان فترة نضج داخلي وتراكم للتجارب والوعي السياسي والأدبي.
وعندما عاد للكتابة في أواخر الستينات، كان صوته قد اكتمل، فشكّلت روايتا "دليل الرسم والخط" (1977) و"مذكرات الدير" عام 1982، نقطة انطلاق حقيقية لأسلوبه الذي سيُعرف به عالميًا.
أسلوب ساراماغو
ما يميز ساراماغو هذا الشكل السردي الثوري الذي اعتمده، إذ تتسم كتاباته بجمل طويلة متشابكة، تتداخل فيها أصوات السارد والشخصيات دون استخدام علامات الترقيم التقليدية، مكتفيًا بالفاصلة والنقطة .. هذا الأسلوب يخلق إحساسًا بالتدفق الشفهي، كأن القارئ يستمع إلى حكّاء يروي القصة بنفسٍ واحد، مما يغمره في تيار وعيٍ خالص .. في روايته الشهيرة «العمى» يسرد المشهد الأول كأن القارئ يسبح داخل ذهن الراوي:
"عندما أضاء اللون الأخضر، لم تتحرك السيارة. لم تكن السيارة الأولى في الصف، فخلفها ثلاث سيارات أخرى ينتظر سائقوها أن تنطلق. صرخ أحدهم: أنا أعمى!"
هذا الانسياب السردي المتعمد يكسر الحاجز بين القارئ والنص، ويجعله شريكًا في التجربة لا مجرد متفرج عليها.
الفرضية الخيالية
لم يكتب ساراماغو للتسلية، بل ليطرح أسئلة وجودية شائكة، إذ تنطلق معظم رواياته من فرضيات خيالية جريئة (ماذا لو؟)، لكنها تتعامل مع أعمق القضايا الإنسانية بواقعية نفسية مذهلة.. هذه الفرضيات تتحول إلى مختبرات اجتماعية يُجري فيها تجاربه على السلطة، الأخلاق، الهوية، والحب في ظل ظروف قصوى.
أشهر أعمال ساراماغو
- "العمى" (1995): ماذا لو فقد مجتمع بأكمله بصره فجأة؟ تتحول الرواية إلى استعارة قوية عن انهيار الحضارة وعودة الإنسان إلى غرائزه البدائية، وفي الوقت نفسه تحتفي بالصمود والرحمة في أحلك الظروف.
- "انقطاعات الموت" (2005): ماذا لو توقف الموت عن أخذ الأرواح في بلد ما؟ يستكشف ساراماغو الفوضى التي تعقب هذا الحدث، ويفكك علاقتنا بالموت كجزء لا يتجزأ من معنى الحياة.
- "سنة موت ريكاردو ريس" (1984): ماذا لو عاد أحد الأسماء المستعارة للشاعر فرناندو بيسوا ليعيش مجددًا في لشبونة عام 1936؟ تصبح الرواية حوارًا عميقًا مع التاريخ والأدب والهوية البرتغالية.
شخصيات مستقلة وذاكرة حية
لم يكن ساراماغو يتحكم بشخصياته كعرائس ماريونيت، بل كان يمنحها استقلالًا يجعلها تختار مسارها بحرية. كان يقول:
"أنا أخلق الشخصيات، لكنها بمجرد أن تولد، تبدأ في التصرف وفق إرادتها."
هذا المنهج يمنح أعماله مصداقية فريدة، كما لو كان الكاتب نفسه يكتشف الرواية أثناء كتابتها.
من اللافت أيضًا أن أسماء الشخصيات غالبًا ما تكون عامة ورمزية: "الطبيب"، "زوجة الطبيب"، "الفتاة ذات النظارات الداكنة" في رواية العمى، هذا الاختيار يؤكد أنهم يمثلون الإنسان في جوهره المجرد، لا كأفراد محددين، مما يمنح القصة بعدها الكوني.
أحكم رجل عرفته
تشكّلت مخيلة خوسيه ساراماغو الأدبية في حضن جدّيه الأميين، وخصوصًا جدّه جيرونيمو، الذي وصفه في خطاب نوبل بأنه "أحكم رجل عرفته"، إذ كان يذكر كيف كان جده يودّع الأشجار التي زرعها وهو يبكي، مدركًا أنه لن يراها ثانية، هذه التفاصيل البسيطة صارت نواة لأعمال تتسم بالتأمل الوجودي والحنين الإنساني العميق.
الأدب في خدمة الكرامة الإنسانية
كان ساراماغو كاتبًا ملتزمًا بقضايا العدالة الاجتماعية.. انضم إلى الحزب الشيوعي البرتغالي عام 1969 وظل عضوًا فيه حتى وفاته، كما كان ناقدًا شرسًا للرأسمالية، والمؤسسات الدينية، والأنظمة السلطوية.
في "مذكرات الدير"، استخدم حدثًا تاريخيًا - بناء دير مافرا المهيب - ليسلط الضوء على استغلال الطبقات الكادحة في سبيل أمجاد النخبة الحاكمة. يقول معلقًا:
"أردت أن أروي حكاية هؤلاء الذين بنوا الدير بدمائهم وعرقهم، لا من أمروا ببنائه."
أثار كتابه "الإنجيل يرويه المسيح" (1991) جدلاً واسعًا وأزمة مع الحكومة البرتغالية والكنيسة الكاثوليكية، مما دفعه إلى الانتقال للعيش في منفى اختياري بجزيرة لانزاروت الإسبانية.
اقتباسات لـ خوسيه ساراماغو
- "كلنا نعلم أننا سنموت، لكننا لا نعرف كيف نعيش."
- "أحيانًا يكون الصمت أعظم صرخة."
- "القراءة لا تجعلنا أفضل بالضرورة، لكنها تجعلنا أقل جهلًا."
- "الكتب هي الطريقة التي نبرهن بها أننا نستطيع أن نحول الصمت إلى كلمات والوحدة إلى رفقة."
- "أعمى ليس من لا يرى، بل من لا يريد أن يرى."
- "أخطر كذبة هي التي نقولها لأنفسنا ونصدقها."
- "السلطة لا تحتاج إلى تبرير، بل تحتاج فقط إلى الطاعة."
- "كل إنسان يحمل داخله كتابًا لم يُكتب بعد."
- "نحن نصبح بشرًا حقيقيين فقط حين نرى الآخر فينا ونرى أنفسنا فيه."
- "الذاكرة هي كل ما نملك، وما نفقده حين نفقدها هو نحن أنفسنا."
- "الحب ليس أن ننظر إلى بعضنا البعض، بل أن ننظر معًا في الاتجاه نفسه."
- "من لا يملك شيئًا يخسره، هو الأكثر حرية."
- "الجهل، حين يُضاف إلى السلطة، يولّد العنف."
- "الموت لا ينهي الحياة، بل ينهي الزمن فقط."
- "الكتابة ليست مهنة، إنها طريقة لنتنفس."
- "لا توجد رحلة أصعب من تلك التي نقوم بها إلى داخل أنفسنا."
- "الحقيقة دائمًا بسيطة، لكننا نحن من نعقّدها."
- "الناس لا يثورون إلا عندما يجوعون، وما داموا يأكلون، فسيظلون صامتين."
- "المجتمع لا ينهار حين يفقد بصره، بل حين يفقد ضميره."
- "كل قصة هي مرآة، وما نراه فيها يعتمد على من نحن."
ختامًا، لم يكن خوسيه ساراماغو مجرد كاتب، بل كان ضميرًا حيًا وشاهدًا على عصره.. لقد أعاد تعريف شكل الرواية، وأثبت أن الفكرة الفلسفية يمكن أن تكون مادة روائية ساحرة ومؤثرة.. تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، ولا تزال أفكاره حية في وجدان القراء والكتاب حول العالم، لتؤكد أن الأدب العظيم هو الذي يجرؤ على طرح الأسئلة التي نخشى مواجهتها.
اقرأ أيضاً:
- الآمال العظيمة لتشارلز ديكنز – إحدى أهم 100 رواية عالمية
- ألبير كامو - عبقري الأدب
- خوسيه ساراماغو - الأعمال الكاملة
