فيلم شفيقة ومتولي… ملحمة سينمائية مستوحاة من الواقع الشعبي المصري

يُعد فيلم شفيقة ومتولي أحد أبرز أفلام السينما المصرية في سبعينيات القرن العشرين، حيث عُرض لأول مرة عام 1978، وقدم معالجة درامية عميقة لحكاية شعبية متجذرة في الوجدان الجمعي لأبناء الوجه القبلي، مستندًا في الوقت نفسه إلى واقعة حقيقية.


النجمة سعاد حسني بطلة فيلم شفيقة ومتولي
النجمة سعاد حسني بطلة فيلم شفيقة ومتولي 


الفيلم من إخراج علي بدرخان، وتأليف شوقي عبد الحكيم، بينما كتب صلاح جاهين السيناريو والحوار، وتولى الإنتاج والتوزيع شركة أفلام مصر العالمية (يوسف شاهين وشركاه)، في عمل يُصنف ضمن أقوى فلام الدراما المصرية على مر تاريخها.

بلغت مدة عرض فيلم شفيقة ومتولي 125 دقيقة، وصُوّر باللغة العربية داخل مصر، وبدأ عرضه الرسمي في 27 نوفمبر 1978.

فيلم شفيقة ومتولي ونخبة من نجوم السينما المصرية

شارك في بطولة الفيلم عدد كبير من نجوم الصف الأول، يتقدمهم:

  • سعاد حسني
  • أحمد زكي
  • أحمد مظهر
  • محمود عبد العزيز
  • جميل راتب

كما ضم العمل كوكبة واسعة من الفنانين، منهم: ملك الجمل، يونس شلبي، محمود الجندي، عبد الوارث عسر، شفيق جلال، نعيمة الصغير، حسن حسين، حمزة الشيمي، أحمد بدير، أحمد حجازي، أحمد أباظة، مرسي الحطاب، محمد الشويحي، أحمد عقل، نادية شمس الدين، علي قاعود، صبري عبد المنعم، ليزا ماي، نصر سيف، وحيد سيف، وسميحة محمد.

قصة إنسانية مأساوية على خلفية تاريخية

تدور أحداث فيلم شفيقة ومتولي في فترة تاريخية تشهد قيام السلطة باستدعاء عشرات الآلاف من الشباب للعمل سُخرة في حفر قناة السويس. وفي ظل هذه الظروف، يضطر الشاب متولي إلى ترك شقيقته شفيقة وحيدة مع جدها العجوز.

تتعرض شفيقة لضغوط اجتماعية ونفسية قاسية تدفعها للوقوع في علاقة محرمة مع دياب ابن شيخ البلد. ومع انكشاف أمر العلاقة داخل القرية، يُجبر الجد شفيقة على الرحيل برفقة القوادة هنادي إلى أسيوط.

في أسيوط، تلفت شفيقة أنظار الطرابيشي، الذي يعمل في توريد العبيد إلى شركة قناة السويس، فتصبح عشيقته، وتبدأ تدريجيًا في اكتشاف طبيعة نشاطه الإجرامي. ومع شعورها بالاختناق والضيق من حياتها الجديدة، تقرر العودة إلى قريتها، في الوقت الذي تنكشف فيه فضيحة الطرابيشي المتعلقة بتجارة العبيد.

في هذه الأثناء، يعود متولي إلى قريته ويكتشف علاقة شقيقته بدياب، فيقرر قتلها بدافع ما يراه غسلًا للعار. غير أن أفندينا، الشريك الرئيسي للطرابيشي في تجارة العبيد، يسبقه ويطلق النار على شفيقة، خوفًا من أن تفضح أسرار تجارتهما غير المشروعة، لتلقى حتفها برصاصاته.

فريق عمل متكامل

شارك في صناعة الفيلم فريق فني متكامل ضم:

  • الإخراج: علي بدرخان
  • القصة: شوقي عبد الحكيم
  • السيناريو والحوار: صلاح جاهين
  • مدير التصوير: عبد الحليم نصر، محسن نصر
  • المونتاج: سعيد الشيخ
  • الموسيقى التصويرية: فؤاد الظاهري
  • الإنتاج والتوزيع: أفلام مصر العالمية (يوسف شاهين وشركاه)

سعاد حسني وتجسيد مأساة شفيقة

قدّمت الفنانة سعاد حسني في فيلم «شفيقة ومتولي» واحدًا من أكثر أدوارها قسوة وتعقيدًا على الإطلاق، حيث جسّدت شخصية شفيقة بوصفها نموذجًا إنسانيًا مركبًا لامرأة وقعت ضحية الفقر والسلطة الذكورية والسياق التاريخي العنيف، لا بوصفها مجرد امرأة “ساقطة” وفق المفهوم الأخلاقي السائد. 

اعتمد أداء سعاد حسني على الاقتصاد في التعبير، وتدرّج واضح في التحولات النفسية، بدءًا من الفتاة الريفية البسيطة المرتبطة بأرضها وجدّها وشقيقها، وصولًا إلى امرأة مسحوقة تدرك أنها تُستخدم كسلعة داخل منظومة أكبر من القهر والاستغلال.

تميّز أداء السندريلا بالقدرة على التعبير الجسدي الصامت، خاصة في مشاهد السقوط الداخلي، حيث بدت ملامح وجهها وحركاتها أصدق من الحوار، وهو ما اعتبره عدد من النقاد ذروة نضجها التمثيلي. كما قدّمت سعاد حسني الشخصية بعيدًا عن الميلودراما أو استدرار التعاطف المباشر، فبدت شفيقة واعية بمصيرها، مدركة لحجم الخطيئة الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه أسيرة ظروف لم تخترها. 

وقد شكّل هذا الدور نقلة نوعية في مسيرتها، إذ خرجت به من إطار الفتاة المرحة أو البطلة الرومانسية إلى فضاء التراجيديا الاجتماعية الثقيلة، مؤكدة مكانتها كممثلة قادرة على حمل أدوار ذات أبعاد إنسانية وسياسية عميقة.

ويجمع نقاد السينما على أن شفيقة تُعد من الشخصيات النسائية النادرة في السينما المصرية التي قُدّمت بوصفها ضحية بنية اجتماعية كاملة، لا ضحية خطأ فردي، وهو ما منح أداء سعاد حسني بعدًا تاريخيًا وإنسانيًا ظل حاضرًا في الذاكرة السينمائية، وجعل من هذا الدور أحد العلامات الفارقة في تاريخ تمثيل المرأة على الشاشة العربية.

كواليس وإنتاج استثنائي

يُعتبر فيلم شفيقة ومتولي أضخم إنتاج سينمائي في موسم 1978. وكان من المقرر أن يتولى يوسف شاهين إخراج الفيلم، إلا أن ظروفه الصحية حالت دون استكماله العمل بعد أسبوع واحد من التصوير، فقام بتكليف علي بدرخان باستكمال المهمة، حيث أعاد بدرخان بالتعاون مع صلاح جاهين صياغة السيناريو، بينما اكتفى شاهين بدور المنتج.

ويحمل الفيلم دلالة إنسانية خاصة في مسيرة الفنان أحمد زكي، إذ جاء تحقيقًا لوعد قطعه صلاح جاهين له عام 1975، بعد استبعاده من بطولة فيلم الكرنك أمام سعاد حسني، وهو الاستبعاد الذي تسبب في أزمة نفسية حادة للنجم الأسمر، قبل أن يتحقق الوعد بعد ثلاث سنوات من خلال «شفيقة ومتولي»، الذي كتب له جاهين السيناريو والحوار والأغاني والأشعار.

جوائز وتكريم

نال فيلم شفيقة ومتولي (1978) جائزة الطانيت البرونزي خلال مشاركته في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي السابع، والذي أقيم في نوفمبر 1978، ليؤكد مكانته كعمل فني بارز في تاريخ السينما العربية.

يُعد فيلم شفيقة ومتولي من أبرز الأعمال التي قدمتها الفنانة سعاد حسني خلال مسيرتها الفنية، كما يحتل مكانة خاصة بين أهم أفلام السينما المصرية، حيث يُصنف ضمن أفلام التراث التي تناولت قصة شعبية متجذرة في الوعي الجمعي، سبق تقديمها في أكثر من شكل، غير أن معالجة سعاد حسني جاءت مختلفة وأكثر تأثيرًا.

أغنية صنعت شهرة فيلم شفيقة ومتولي 

لعبت الأغنية الرئيسية للفيلم «بانو بانو» دورًا محوريًا في انتشاره وشهرته الواسعة، إذ ارتبطت في أذهان الجمهور بالعمل وأحداثه، ورغم ذلك، تبقى كواليس تصوير الفيلم وما شهدته من تفاصيل وأحداث من أكثر الجوانب التي لا يعرفها كثيرون، خاصة إذا ما قورنت بواقع اليوم، حيث أصبحت كواليس الأعمال الفنية متاحة بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، بينما كانت هذه المعلومات في الماضي أشبه بكنز لا يصل إليه إلا القليل.

«بانو بانو».. عندما غنّت السندريلا وجعها وقرأ جاهين المصير

لم يكن الشاعر الكبير صلاح جاهين يدرك، وهو يكتب كلمات أغنية «بانو بانو على أصلكم بانو» لفيلم شفيقة ومتولي، أنه لا يخطّ مجرد أغنية سينمائية، بل يرسم مرثية إنسانية ستتحول مع الزمن إلى واحدة من أكثر الأغنيات ارتباطًا بمصير بطلتها سعاد حسني، وبوجدان المصريين على السواء.

قدّمت سعاد حسني الأغنية بكل ما تحمله من وجع دفين ومرارة مكبوتة، فغنّت ورقصت كما لو كانت طائرًا مذبوحًا يتلوّى من الألم، لا يستعرض جسده، بل يفضح روحه، إذ لم تكن رقصة إغواء ولا غناء طرب، بل فعل اعتراف، وصراخ داخلي مكتوم، خرج في صورة فن خالص.

ظهرت السندريلا في المشهد بوجه شاحب، وشعر أشعث، وجسد نحيل يكاد يخلو من أي ملامح إثارة، وكأنها تعمّدت أن تُطفئ أنوثتها، لا هروبًا منها، بل احتجاجًا صامتًا على عالم اغتصب براءتها، وسلبها حقها في الاختيار. بدا المشهد وكأن سعاد حسني قررت أن تحرم الجميع من بهاء جمالها، عقابًا لهم على ما اقترفوه بحقها وبحق شفيقة.

أداء يلامس المصير

أبدعت سعاد حسني في التشخيص والغناء والرقص، وتقمصت روح شفيقة البائسة حتى تماهت معها بالكامل. لم تؤدِّ الدور، بل عاشته، وكأن المأساة لم تكن مكتوبة على الورق فقط، بل محفورة في داخلها، تنتهي شفيقة مقتولة على يد مجهول، ويُغلق الفيلم على هذه النهاية التراجيدية، لكن الأغنية تبقى، تتحول إلى أيقونة مستقلة، أشهر من الفيلم نفسه، يرددها المصريون في لحظات الفرح والحزن، دون أن يدرك كثيرون سر هذا السحر الكامن فيها.

كان صلاح جاهين وحده يعرف كيف يجعل الأغنية حزنًا في قلوب المنكسرين، ورقصًا في قلوب الدراويش. من أرادها بكاءً بكى معها، ومن أرادها فرحًا رقص عليها. ومع مرور السنين، تحوّلت «بانو بانو» إلى مرثية غير معلنة لسعاد حسني نفسها.

الأغنية التي رافقت الجثمان

في لحظة وداع السندريلا، يوم وصول جثمان سعاد حسني من لندن داخل صندوق خشبي مغلق، كانت الفضائيات تبث الأغنية، وكأن صوتها يخرج من داخل الصندوق، يصرخ في وجه العالم الذي خذلها:

  • «دوّروا وشكم عني شوية
  • كفاية وشوش
  • ده أكم من وش غدر بيا
  • ولا يتكسفوش»

في ذلك المشهد المهيب والمقبض، لم يكن الصندوق يحمل جسدًا فقط، بل أسرار حياة، وغموض موت، وأسئلة بلا إجابات، وسط الزحام، والكاميرات، ووجوه المحبين، بدت الأغنية كأنها التعبير الأصدق عن حال نجمة عاشت محاطة بالأضواء، وماتت وحيدة، غريبة، بعيدة عن وطنها وجمهورها.

كلمات أغنية «بانو بانو»

غناء: سعاد حسني – كلمات: صلاح جاهين فيلم شفيقة ومتولي

  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • والساهي يبطل سهيانه
  • ولا غِنى ولا صيت دولا جنس غويط
  • ولا غِنى ولا صيت دولا جنس غويط
  • وكتابنا يبان من عنوانه
  • بانو أيوه بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • جربنا الحلو المتعايق أبو دم خفيف
  • وبقينا معاه إخوة شقايق فاكرينه شريف
  • جربنا الحلو المتعايق أبو دم خفيف
  • وبقينا معاه إخوة شقايق فاكرينه شريف
  • أتاريه مش كده على طول الخط
  • الطبع الردي من جواه نط
  • أتاريه مش كده على طول الخط
  • الطبع الردي من جواه نط
  • خلاص بقى مهما انشال وانحط
  • مفيش دمعة حزن عشانه
  • بانو أيوه بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • وعرفنا سيد الرجالة
  • وعرفنا عين الأعيان
  • من بره شهامة وأصالة
  • تشوفه تقول أعظم إنسان
  • إنما من جوه يا عيني عليه
  • بياع ويبيع حتى والديه
  • وأهو ده اللي اتعلمناه على إيديه
  • القهر وقوة غليانه
  • بانو أيوه بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • دوروا وشكوا عني شوية
  • كفاياني وشوش
  • بقى كم من وش غدر بيا
  • ولا ينكسفوش
  • وعصير العنب العنابي، العنابي
  • نقطة ورا نقطة يا عذابي، عذابي
  • يكشفلي حبايبي وأصحابي
  • يوحدني وأنا في عز شبابي
  • القلب على الحب يشابي
  • والحب بعيد عن أوطانه
  • بانو أيوه بانو
  • أهو كده بانو على أصلكوا بانو
  • بانو بانو بانو أهو كده بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • بانو بانو بانو على أصلكوا بانو
  • والساهي يبطل سهيانه
  • ولا غِنى ولا صيت دولا جنس غويط

شاهد أجمل أغاني السينما المصرية "بانو بانو"


الفراشة

وصفت سعاد حسني صلاح جاهين بأنه يشبه «الفراشة»، يقف على أطراف أصابعه، ويعلّم الآخرين كيف يعبّرون بالحركة، وبالكلمة، وبالإحساس، كانت ترى فيه مدرسة إنسانية وفنية، تجد عنده صوتها، ولسان حالها، وكل ما تشعر به تجاه المرأة والحياة والظلم.

النسخة التي لم يشاهدها الجمهور

من المفاجآت اللافتة في تاريخ فيلم شفيقة ومتولي أن النسخة المعروضة حاليًا ليست النسخة الأولى من «شفيقة ومتولي»، بل جاءت بعد نسخة سابقة لم تكتمل، ووفقًا لما رواه الناقد الفني والصحفي أحمد السماحي لصحيفة اليوم السابع، نقلًا عن الناقد الراحل سمير فريد، كان من المقرر أن يتولى إخراج الفيلم المخرج سيد عيسى.

حلم سيد عيسى المؤجل

كان فيلم شفيقة ومتولي أحد الأحلام الكبرى لسيد عيسى، خاصة بعد عودته من موسكو وحصوله على درجة الدكتوراه في الإخراج عام 1970، واستغرق التحضير للعمل سنوات طويلة على الورق، شملت كتابة السيناريو والحوار والأغاني، إلى جانب تصميمات الديكور والملابس والحُلي، بل وحتى تخطيط الكادرات وتوزيع الإضاءة، قبل أن يبدأ تصوير الفيلم فعليًا.

خلاف فني مع السندريلا

بعد أسابيع من بدء التصوير، نشب خلاف حاد بين سعاد حسني والمخرج سيد عيسى حول أسلوب الإخراج، فقد شعرت سعاد بالقلق من الطريقة غير المألوفة التي اعتمدها عيسى، معتبرة أنها لا تتماشى مع القواعد السائدة في السينما المصرية. 

في المقابل، أكد عيسى أن أسلوبه جديد ومختلف، وسيلقى إعجاب الجمهور، إلا أن سعاد رأت أن هذا الأسلوب لا يليق بنجوم يمتلكون جماهيرية واسعة، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته في فيلم «خلي بالك من زوزو»، ليتمسك كل طرف بموقفه دون تنازل.


فيلم شفيقة ومتولي
فيلم شفيقة ومتولي 


تدخل يوسف شاهين وتغيير المخرج

حاولت سعاد حسني أكثر من مرة إقناع سيد عيسى بتعديل وجهة نظره، لكن محاولاتها باءت بالفشل، فلجأت إلى يوسف شاهين منتج الفيلم، إلا أن تدخله لم يغير من موقف عيسى، وبما أن رضا السندريلا كان من أولويات شاهين، تقرر في النهاية استبدال سيد عيسى بالمخرج علي بدرخان، خاصة بعد النجاحات الكبيرة التي حققها بأفلامه الأولى، وعلى رأسها الحب الذي كان والكرنك.

النسخة النهائية ونجاح جماهيري

تولى علي بدرخان إعادة إخراج الفيلم عام 1977، وأجرى تعديلات واسعة على النسخة الأولى، شملت تغيير عدد من أبطال العمل، من بينهم أحمد عدوية، وحمدي أحمد، ومحمد نوح، كما قام بترشيح أحمد زكي لتجسيد دور «متولي»، وبعد هذه التغييرات، خرج فيلم شفيقة ومتولي في صورته النهائية، محققًا نجاحًا جماهيريًا وفنيًا كبيرًا، ليصبح واحدًا من علامات السينما المصرية الخالدة.

من أكثر الافلام عمقًا وقسوة 

 يُعد فيلم شفيقة ومتولي واحدًا من أكثر الأفلام المصرية عمقًا وقسوة في تناوله لفترة مظلمة من التاريخ المصري، إذ لم يكتفِ بسرد حكاية شعبية معروفة، بل أعاد تقديمها بوصفها شهادة إنسانية وسياسية على زمن السُّخرة، والاتجار بالبشر، واستباحة أجساد الفقراء تحت شعارات التحديث وحفر قناة السويس.

تجارة العبيد تحت غطاء القناة

خلال فترة حفر قناة السويس، كان أحمد الطرابيشي باشا، (قام بدوره الفنان أحمد مظهر) أحد المتورطين في تجارة العبيد، يعمل بالشراكة مع يسري أفندينا (جميل راتب)، أحد رجال والي مصر سعيد باشا بن محمد علي، ومع تصاعد الضغوط الدولية، خاصة بعد تشكيل إنجلترا لجنة للتحقيق في واقعة موت نحو خمسين ألف مصري في الصحراء عطشًا وهم في طريقهم للبيع في أسواق العبيد، كان لا بد من تقديم “كبش فداء”.

لم يجد الطرابيشي سوى أحد خدمه المطيعين ليقدمه للعالم باعتباره المسؤول عن الجريمة، في محاولة لغسل أيدي السادة الحقيقيين من دماء الضحايا، وفي الجهة المقابلة، كانت شفيقة تعرف الكثير عن تلك الجرائم، وبدأت تفضح المتورطين أمام العامة ممن يتاجرون بأجساد المصريين.

الوجه الآخر 

يرسم الفيلم صورة قاسية للنفاق الاجتماعي، حيث يتجسد أصحاب النفوذ في هيئة رجال يبدون شهامة وأصالة من الخارج، بينما يخفون داخلهم وحشية لا تعرف الرحمة، يبيعون كل شيء حتى البشر، بل وحتى أقرب الناس إليهم، وهو ما تعكسه الأغاني الشعبية التي حملت نقدًا لاذعًا للواقع الاجتماعي والسياسي آنذاك.

سقوط شفيقة بعد غياب السند

كان لا بد من التخلص من شفيقة، لأنها باتت تمثل خطرًا حقيقيًا على شبكة تجارة العبيد، سقطت شفيقة في البغاء بعد أن جُنّد شقيقها متولي، حاميها الوحيد، ضمن آلاف المصريين الذين اقتيدوا قسرًا لحفر قناة السويس.

ومع عودة متولي من التجنيد، بعدما عرف حقيقة ما حدث لشقيقته، قرر قتلها باعتبارها “ثمن العار”، غير أن تجار العبيد والشرف الزائف سبقوه. تعود شفيقة إلى قريتها، تجلس في منزلها مرتدية ثوبها الأبيض وغطاء رأسها الأسود، تنتظر مصيرها، لتسقط قتيلة برصاص مجهول، في مشهد تلطخت فيه البراءة بالدم.

يحمل متولي جثة شقيقته بين ذراعيه، لا يدري من قتلها، ولا لماذا، لتكون هذه هي النهاية المأساوية لشفيقة، ضحية الفقر والسُّخرة والسلطة.

فيلم بملامح ملحمية

جاء فيلم شفيقة ومتولي من إنتاج الشركة العالمية للسينما عام 1978، بإنتاج يوسف شاهين، عن قصة للكاتب والباحث شوقي عبد الحكيم، أحد أبرز المتخصصين في السيرة الشعبية والتراث الشفهي المصري، والذي كرّس جزءًا كبيرًا من مشروعه الإبداعي لتوثيق الحكايات الشعبية وإعادة قراءتها بوصفها مرآة للواقع الاجتماعي والسياسي في مصر.

يُعد شوقي عبد الحكيم من أهم من تعاملوا مع الموروث الشعبي لا باعتباره مادة فولكلورية جامدة، بل كنص حي يحمل دلالات إنسانية وتاريخية عميقة، وقد اشتهر بجمع وتدوين السير والحكايات الشعبية، خاصة تلك المرتبطة بالصعيد المصري، حيث استلهم قصة «شفيقة ومتولي» من حكاية متداولة في الوجدان الشعبي، تعكس مفاهيم الشرف، والقهر، والسلطة، ومأساة المرأة في المجتمعات التقليدية.

وقد تميزت كتابات عبد الحكيم بالقدرة على الربط بين الحكاية الشعبية والواقع التاريخي، وهو ما أتاح تحويل قصة شفيقة ومتولي من مجرد مأساة فردية إلى نص مفتوح على التأويل السياسي والاجتماعي، خاصة حين تم دمجها دراميًا مع مرحلة حفر قناة السويس وما صاحبها من سُخرة واستغلال بشري.

وتولى صلاح جاهين كتابة السيناريو والحوار، مضيفًا أبعادًا شعرية وسياسية إلى النص الأصلي، فيما أخرج الفيلم علي بدرخان برؤية سينمائية ملحمية، جمعت بين الحس الواقعي والرمزية، ليخرج العمل في صورته النهائية كأحد أهم أفلام السينما المصرية التي أعادت الاعتبار للسيرة الشعبية بوصفها أداة نقد تاريخي واجتماعي.

الخطوط المتوازية في البناء الدرامي

نجح صلاح جاهين في تحويل الحكاية الشعبية الأسطورية إلى عمل ذي أبعاد سياسية واضحة، عبر بناء خطين متوازيين:

  • يتمثل الخط الأول في قصة شفيقة ومتولي
  • والثاني يتمثل في حفر قناة السويس، والصراع الاستعماري بين إنجلترا وفرنسا على مصر، وكانت فرنسا تسعى لإقامة “دولة داخل الدولة” عبر القناة، بينما حاولت إنجلترا تثبيت نفوذها، وفي الحالتين كان المصريون هم وقود المشروع، يُستعبدون، ويُسخَّرون، ويموتون بلا حساب.
متولي في القناة… وشفيقة في السقوط

  • يتوازى تجنيد متولي وسفره إلى القناة مع سقوط شفيقة في براثن الاستغلال. فالعمدة يقتاد رجال القرية، بينما يدور ابنه دياب حول شفيقة حتى يوقعها في الفخ، بمساعدة امرأة غجرية تدير عالم الدعارة. ويأتي مشهد غواية شفيقة بالمال والذهب بعد أن نال منها الجوع، لتكتمل دائرة السقوط،ولا ينسى جاهين أن يقدّم المولد الشعبي في صيغة غنائية موازية، تستحضر روح «الليلة الكبيرة»، لكنها محمّلة هذه المرة بالدمع والدم.

عالم الباشاوات وتجارة البشر

  • تنتقل شفيقة من دياب إلى عالم الغجر، ثم تصل إلى أحمد الطرابيشي باشا، الذي يخدم القصر، ويتعامل مع الإنجليز والفرنسيين في حفر القناة، وهو رجل يتاجر بكل شيء، حتى البشر، كما يصفه خادمه المطيع، في صورة تجسد التحالف بين السلطة والمال والاستعمار.

جحيم حفر القناة

  • تروى مأساة حفر القناة عبر أبيات الشعر الشعبي، التي تصف آلاف المصريين وهم يعملون تحت شمس حارقة، ينهشهم الجوع والعطش، ولا يرتاحون إلا بالموت. يُرقّى متولي بسبب شجاعته ليصبح مراقبًا على العمال، فيرى بعينيه الموت اليومي، ويقتل شاويشًا أطلق النار على عامل مصري عطشان
الموت بالوباء 
  • ثم يأتي وباء الكوليرا ليحصد الآلاف، بينما يواصل الباشاوات لعبتهم القذرة، فيرسلون مصريين آخرين، لا إلى القناة هذه المرة، بل إلى سوق العبيد، ليموتوا في الصحراء.

شفيقة… قربان الصفقة

  • في ذروة الفساد، لا يجد أحمد الطرابيشي ما يقدمه عربون رضا لشريكه يسري أفندينا سوى شفيقة نفسها، لتكون الضحية التي تُقدَّم للجنة التحقيق الدولية، حتى تصمت إنجلترا عن المطالبة بمحاكمة المتورطين الحقيقيين.

ثنائيات صنعت فيلم شفيقة ومتولي 

يُعد فيلم شفيقة ومتولي واحدًا من عشرة أفلام فقط أخرجها علي بدرخان، وهو عدد ضئيل قياسًا بموهبته الكبيرة، إذ بدأ بدرخان مسيرته بفيلم الحب اللي كان (1973)، واختتمها بـالرغبة (2002)، قبل أن يتوقف عن الإخراج لأكثر من عشرين عامًا، تاركًا فراغًا كبيرًا في السينما المصرية.

بدرخان وسعاد

ارتبط اسم المخرج علي بدرخان بالفنانة سعاد حسني بعلاقة فنية خاصة، شكّلت واحدة من أنجح ثنائيات الإخراج والتمثيل في السينما المصرية خلال السبعينيات والثمانينيات. قدّم بدرخان مع سعاد حسني ستة أفلام سينمائية، اتسمت جميعها بالجرأة الفنية والطرح الاجتماعي والسياسي العميق، وكان من أبرزها «الكرنك» الذي مثّل علامة فارقة في السينما السياسية المصرية، و«أهل القمة» المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ، والذي ناقش تحولات القيم في مرحلة الانفتاح الاقتصادي.

كما تعاونا في فيلم «الجوع» المقتبس عن رواية «الحرافيش» لنجيب محفوظ، حيث قدّمت سعاد واحدًا من أكثر أدوارها قسوة وعمقًا، إلى جانب فيلم «الراعي والنساء» الذي جمعها بأحمد زكي، وكرّس أسلوب بدرخان القائم على المزج بين الرمزية والواقعية القاسية.

 وتميّزت أفلام بدرخان مع سعاد حسني بقدرته على استخراج طاقاتها التمثيلية القصوى، وتقديمها في أدوار نسائية مركبة تتجاوز الصورة النمطية للبطولة النسائية السائدة آنذاك.

زكي وسعاد

شكّل النجمان أحمد زكي وسعاد حسني ثنائيًا سينمائيًا فريدًا في تاريخ السينما المصرية، جمع بين الصدق التمثيلي والكيمياء الإنسانية العالية على الشاشة. وقدّما معًا عدة أعمال بارزة، من بينها فيلم «موعد على العشاء» الذي عالج العلاقة العاطفية من زاوية نفسية وإنسانية عميقة، وفيلم «الدرجة الثالثة» الذي قدّم نقدًا اجتماعيًا لطبقات المجتمع المهمّشة، إضافة إلى «شفيقة ومتولي» الذي مثّل ذروة تعاونهما الفني في إطار ملحمي مأساوي.

كما شاركا معًا في فيلم «الراعي والنساء»، الذي يُعد آخر أفلام سعاد حسني السينمائية، وقدّم فيه الثنائي أداءً ناضجًا اتسم بالكثافة والتجريد، عاكسًا تطور تجربتهما الفنية، ولم يقتصر تعاونهما على السينما فقط، بل امتد إلى الدراما التلفزيونية من خلال مسلسل «هو وهي»، الذي ظل العمل التلفزيوني الوحيد لسعاد حسني، ورسّخ حضورهما كثنائي محبب لدى الجمهور، بفضل بساطة الطرح وعمق الأداء.


فيلم شفيقة ومتولي
فيلم شفيقة ومتولي 


جاهين وسعاد

كانت العلاقة بين الشاعر والكاتب صلاح جاهين والفنانة سعاد حسني علاقة إنسانية وفنية استثنائية، تجاوزت حدود التعاون المهني لتصل إلى صداقة عميقة وثقة متبادلة، كان جاهين من أقرب الداعمين لسعاد حسني، وكتب لها عددًا من أهم الأعمال التي شكّلت وجدان جيل كامل، وفي مقدمتها فيلم «خلي بالك من زوزو»، الذي جمع بين البساطة والعمق وحقق نجاحًا جماهيريًا غير مسبوق، إضافة إلى أفلام «المتوحشة» و«أميرة حبي أنا».

كما كتب جاهين لسعاد حسني مسلسل «هو وهي»، الذي أظهر جانبها التلقائي والإنساني، وفتح مساحة جديدة للدراما التلفزيونية القائمة على المشاعر اليومية. وإلى جانب السينما، قدّم جاهين لسعاد عشرات الأغاني الدرامية والاستعراضية، فضلًا عن قصائده الشهيرة ورباعياته التي غنّتها بصوتها، لتصبح صوتًا شعريًا معبرًا عن هموم وأحلام البسطاء، وفي الوقت نفسه، كان جاهين الداعم الأكبر للنجم أحمد زكي في بداياته، وآمن بموهبته مبكرًا، وهو ما انعكس على أعمال جمعت الثلاثة في مسار فني واحد، ترك بصمة خالدة في تاريخ الفن المصري.

ختامًا؛ يظل فيلم شفيقة ومتولي علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، ليس فقط لما قدمه من مأساة شعبية مؤثرة، بل أيضًا لما مثّل من فرصة لتجسيد الطاقات التمثيلية لسعاد حسني وأحمد زكي في أدوار مركبة وعميقة وقد أصبحت أغنية «بانو بانو» رمزًا خالدًا للعمل، تحمل في كلماتها روح الفيلم ومعاناته، وتربط بين المشهد الفني والتجربة الإنسانية لشخصياته.

وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على عرضه، يبقى الفيلم والأغنية والشخصيات التي أبدعتها سعاد حسني حاضرة في ذاكرة الجمهور، شاهدة على براعة صناع العمل في مزج المأساة بالدراما، والواقع بالتعبير الفني، لتظل شفيقة ومتولي خالدة في تاريخ الفن المصري كواحد من الأعمال التي جمعت بين الإبداع الفني والالتزام الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال