يرتبط الفكر الفلسفي أحيانًا بأكثر الأماكن غير المتوقعة؛ فقد تنبت الفكرة العميقة في كتاب ضخم لفيلسوف ألماني عاش في القرن الـ 19، أو تولد من رحم مشهد سينمائي ساخر في فيلم مصري من ثمانينات القرن العشرين.
![]() |
| بين عبثية "حسن سبانخ" وجذرية "نيتشه": حين تلتقي الكوميديا السوداء بالفلسفة المطرقة |
هذا التلاقي العجيب هو ما نلمسه بدقة عند المقارنة بين المرافعة العبثية لشخصية "حسن سبانخ" (التي جسدها عادل إمام في فيلم *الأفوكاتو* 1983 من تأليف وإخراج رأفت الميهي)، وبين الفلسفة النقدية الحادة لـ "فريدريك نيتشه".
ورغم اختلاف السياق واللغة والهدف، إلا أن الطرفين يشتركان في تشريح بنية "الجهل المجتمعي" وآليات اشتغال العقل الجمعي في المجتمعات التي تحارب التنوير.
أولًا: عبثية حسن سبانخ.. "علمية اللامعقول"
في مقولته الشهيرة لشخصية عبد الجبار:
"المجتمعات المتخلّفة، يا عبد الجبار، متعرفش حاجة اسمها العلم، وأيّ محاولة لتغيير حركتها بقوانين علمية تُعتبر محاولة غير علمية في حدّ ذاتها."
يقدم حسن سبانخ هنا مفارقة عبثية صارخة، لكنها منطقية في سياقها البيئي، فهو هنا لا يهاجم العلم، بل يصف الواقع السوسيولوجي للمجتمعات الراكدة.
مفهوم "العلمية" المقلوب
يرى سبانخ أن دراسة المجتمع يجب أن تنطلق من قوانين المجتمع نفسه، فإذا كان المجتمع يسير بالارتجال، والجهل، والفهلوة، فإن محاولة فرض "قوانين علمية ومنطقية" لتغييره هي محاولة "غير علمية"؛ لأنها تفترض وجود مقدمات عقلانية غير موجودة أساسًا.
عندما يشير حسن سبانخ إلى أن فرض القوانين العلمية على مجتمع متخلف هو "محاولة غير علمية في حد ذاتها"، فإنه يضع يده - بوعي أو بدون وعي - على معضلة منهجية كبرى في علم الاجتماع، إذ يرى سبانخ أن دراسة أي مجتمع وتغييره يجب أن ينطلقا من "الواقع القائم" (De facto) وليس من "النموذج المثالي المفترض" (De jure)، فإذا كانت البنية التحتية للمجتمع تتغذى على الارتجال، والفهلوة، وتغليب الغريزة والجهل على التفكير النقدي، فإن محاولة معالجته بأدوات حداثية، أو قوانين صارمة، أو خطابات تنويرية مجردة، تعد خللًا بنيويًا في القياس.
والواقع أنها محاولة "غير علمية" لأنها تسقط مقدمات منطقية وعقلانية على واقع يفتقر إليها تمامًا؛ وكأنك تحاول تشغيل برمجية معقدة ومتطورة على جهاز بدائي لا يدعم مقوماتها الأساسية، فالعلم الحقيقي في نظر سبانخ هو الفهم الدقيق لآليات حركة هذا المجتمع وتوقع مساراته بناءً على محركاته الفعلية (الجهل والركود)، وليس بناءً على ما "ينبغي" أن يكون عليه، وبالتالي، تصبح "الفهلوة" ومجاراة اللامنطق هي الأداة الأكثر "علمية وواقعية" لإدارة هذا النسق الاجتماعي المقلوب.
العبثية كأداة تكيف .. سبانخ في مواجهة صخرة سيزيف
حسن سبانخ ليس مصلحًا اجتماعيًا يمتلك مشروعًا لتغيير العالم، ولا هو يوتوبي حالم، بل هو التجسيد الحي لـ "البطل العبثي" بالمعنى الفلسفي الذي صاغه ألبرت كامو في أسطورة سيزيف. لقد اصطدم "الأفوكاتو" بوعيه الحاد بعبثية النظام، ولا معقولية القوانين، والعدالة العرجاء التي تحكم المجتمع وتطحن الأفراد. أمام هذه الهوة السحيقة من اللامعنى، تطرح العبثية خياراتها الكلاسيكية: إما الانتحار الجسدي، أو الانعزال والهروب الفكري، أو المواجهة العبثية عبر التمرد.
اختار سبانخ الخيار الثالث؛ لكن تمهّره لم يكن تمردًا ثوريًا لتغيير المنظومة، بل كان تمردًا براغماتيًا يتسم بالسخرية السوداء. لقد أدرك أن المنظومة فاسدة وغير منطقية، وبدلًا من أن يسحق نفسه بمحاربتها كدون كيشوت، قرر "تفكيك الشفرة" واللعب بذات قوانينها العبثية. إنه يحمل صخرته ويصعد بها الجبل كل يوم وهو يبتسم، محولًا العبث من سجن يخنق تطلعاته إلى أداة تكيف مرنة، وسلاح استراتيجي يستغله بذكاء خارق للنجاة والتربح والانتصار على شبكة اللامعقول المحيطة به.
ثانيًا: نيتشه وتشريح عقلية "القطيع"
على الجانب الآخر، يأتي فريدريك نيتشه ليصيغ هذا المشهد بلغة فلسفية صارمة ونقد سيكولوجي حاد، قائلًا:
"الجهلاء اعتنقوا أفكارهم بلا براهين، فكيف يمكنك أن تقنعهم بزيفها بالبراهين؟ إنَّ الإقناع في سوق الجهّال لا يقوم إلا على نبرات الصوت وحركات الجسد، أمّا البراهين.. فتثير نفورهم!"
هنا يغوص نيتشه في عمق "سيكولوجية الجماهير" أو ما يسميه غالبًا بـ "أخلاق القطيع":
وهم اليقين بلا مقدمات: الدوغما وتكلّس الوعي الجمعي
يغوص نيتشه في هذا الطرح إلى أعماق سيكولوجية الجماهير، محاولًا تفكيك ما يمكن تسميته بـ"الجسد العقائدي للقطيع"، حيث يرى أن القناعات الراسخة لدى العقلية الجمعية لا تولد من رحم المحاكمة العقلية أو الاستدلال المنطقي، بل تتشكل عبر التلقين، والتوارث غير المشروط، والمحاكاة الاجتماعية، وهي آليات تمنح الفرد شعورًا بالانتماء والأمان أكثر مما تمنحه يقينًا معرفيًا، ومن ثمّ يصبح هذا اليقين يقينًا مريحًا، لأنه يُعفي صاحبه من عناء الشك، والمراجعة، وإعادة النظر.
وبناءً على ذلك، فإن استخدام البرهان العقلي وحده لتفكيك هذه القناعات قد لا يكون كافيًا؛ إذ لا يواجه المحاور مجرد فكرة قابلة للتصحيح، بل يواجه منظومة نفسية واجتماعية أصبحت جزءًا من هوية أصحابها.
وعندما تُقدَّم الحجج العقلية بوصفها تهديدًا لهذه الهوية، قد تُقابَل بالمقاومة بدلًا من الاقتناع، لأن الإنسان لا يدافع عن أفكاره فحسب، بل يدافع أحيانًا عن الصورة التي كوّنها عن نفسه والعالم من حوله، وهنا يغدو الصراع صراعًا بين منطق البرهان ومنطق الانتماء، بين الرغبة في الحقيقة والرغبة في الحفاظ على الاستقرار النفسي.
سوق الجهال والمسرحة: سيميولوجيا الخطاب الشعبوي
إن عبارة نيتشه عن "نبرات الصوت وحركات الجسد" ليست مجرد ملاحظة بلاغية، بل تمثل قراءة مبكرة للدور الذي تؤديه عناصر الأداء في تشكيل التأثير الجماهيري، فالكلمة في مثل هذا السياق لا تُقاس بقيمتها المعرفية وحدها، وإنما أيضًا بطريقة أدائها، وإيقاعها، وقدرتها على إثارة الانفعال، وهنا يصبح السؤال ليس: ماذا يُقال؟ بل: كيف يُقال؟
وفي هذا الفضاء، تتراجع الحجة الهادئة أمام الخطاب المشحون بالعاطفة، وتصبح القدرة على صناعة التأثير أكثر حضورًا من القدرة على إقامة البرهان، ولا يعني ذلك أن الجماهير ترفض الحقيقة بطبيعتها، بل إن الخطاب المبسط والمشحون بالرموز والانفعالات يكون، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة على الانتشار والتأثير من الخطاب التحليلي المعقد، خاصة في البيئات التي يغلب فيها الاستقطاب أو ضعف الثقافة النقدية.
وهكذا يتحول المجال العام، في بعض الأحيان، من ساحة للحوار العقلاني إلى فضاء تتنافس فيه الصور والانطباعات والانفعالات، حيث تُقاس قوة الخطاب بقدرته على تعبئة الجمهور، لا بقدرته على اختبار الأفكار وتمحيصها.
ثالثًا: نقاط التلاقي والافتراق (قراءة تفكيكية في أبعاد المقارنة)
لإدراك عمق الروابط الفكرية والخلفيات الفلسفية التي تجمع وتفرق بين رؤية المحامي العبثي والفيلسوف الألماني، يمكن توسيع محاور المقارنة على النحو الآتي:
1. التشخيص البنيوي للواقع
حسن سبانخ
ينطلق تشخيصه من منطلق سوسيولوجي واقعي؛ إذ يرى أن "التخلف" ليس مجرد غياب للمعلومة، بل هو بنية متكاملة ونظام حركي له قوانينه الخاصة، فالمجتمع المتخلف، في نظره، يطور مناعة شرسة ضد العلم، لأن المنطق العلمي يهدد استقرار "الجهل المستقر" الذي يعيش فيه المجموع، ومن ثم فإن المجتمع يمتلك ما يشبه "الرادارات" التي تعادي الأطروحات العقلانية وتنبذها بوصفها جسمًا غريبًا.
فريدريك نيتشه
يتجه تشخيصه نحو الأنطولوجيا والسيكولوجيا الفلسفية. ويرى أن رفض "الجهلاء" للبراهين يعود إلى تكلس وعيهم العقائدي (الدوغما)، فالجهل عند نيتشه ليس حالة سلبية تعني نقص المعرفة، بل هو حالة دفاعية نشطة؛ إذ يعتنق الأفراد أفكارًا بلا براهين لأن العقيدة غير المبررة تمنحهم الطمأنينة الوجودية، بينما تمثل مواجهتهم بالبرهان تهديدًا لملاذهم النفسي، ومن هنا ينبع نفورهم الشديد منه.
2. آليات التأثير والتوجيه
حسن سبانخ
الأداة لديه هي "الفهلوة" البراغماتية واللعب على التناقضات. فهو يعتمد على قراءة الثغرات، سواء كانت في نصوص القانون أو في سيكولوجية القضاة والمواطنين. ولا يحاول إقناع المحكمة بالعدالة المطلقة، بل يحول الجلسة إلى ساحة لمجاراة "العبث اليومي"، مستخدمًا أدوات النظام المتهالك نفسه لتحقيق أهدافه، إدراكًا منه أن المنطق المستقيم قد ينكسر أمام اعوجاج الواقع.
فريدريك نيتشه
يحلل آليات التأثير عبر مفهوم "المسرحة الكاريزمية". فالقائد أو المؤثر في "سوق الجهال" لا يحتاج إلى عقل أرسطو بقدر ما يحتاج إلى حنجرة قوية وأداء مسرحي يتقن لغة الجسد. ويستشرف نيتشه، بهذا التحليل، عصر الصورة والدعاية؛ حيث يقوم الإقناع في الفضاء الجمعي على إثارة الانفعالات الأولية، كالخوف، والكبرياء، والاستقطاب. فالخطاب الأكثر تأثيرًا هو ذلك الذي يعفي الجماهير من مشقة التفكير، ويمنحهم يقينًا سريعًا ووعودًا سهلة.
3. الموقف الأخلاقي والوجودي من الواقع
حسن سبانخ
يمكن وصف موقفه بأنه "الامتثال الساخر" (Cynical Compliance). فهو لا يحمل مشروعًا خلاصيًا للمجتمع، بل يتعامل مع الواقع بوصفه ابنًا لبيئته، يهبط إلى مستنقع الجهل ويتقن السباحة فيه، ويتسم موقفه بالنفعية؛ إذ تتجاور الأنانية الذكية مع الوعي بعبث الواقع، فيستغل جهل القطيع ويسخر منه في الوقت نفسه، محولًا مأساة المجتمع إلى وسيلة للنجاة وتحقيق المكاسب.
فريدريك نيتشه
أما موقفه فيمكن وصفه بأنه "نخبوي راديكالي" فهو يرفض الانخراط في "السوق" أو التلوث بمنطقه، ويحلل الجهل تمهيدًا للدعوة إلى تجاوز أخلاق القطيع، عبر نموذج "الإنسان الأعلى"، ولا يسعى نيتشه إلى استغلال الجهل لتحقيق منفعة، بل إلى تعريته، وهدم أسسه، والدعوة إلى بناء منظومة جديدة من القيم تنبع من القوة الفكرية والإبداع الفردي.
4. المآل والنتيجة الفلسفية
حسن سبانخ
ينتهي إلى ما يمكن تسميته "علمية اللامعقول"؛ وهي المفارقة التي صدم بها الجميع في الفيلم، ومفادها أن: "إذا كان المجتمع مجنونًا، فإن التصرف بعقلانية قد يبدو هو الجنون بعينه." والنتيجة هنا هي تبني استسلام ذكي للواقع، واستخدام أدوات اللامنطق لتحقيق نتائج عملية، في رؤية تتقاطع مع البراغماتية المتطرفة وبعض الملامح الميكافيلية والعدمية الواقعية.
فريدريك نيتشه
أما نيتشه، فينتهي إلى "فلسفة المطرقة"؛ حيث تصبح المهمة الأساسية هي هدم الأصنام الفكرية، وتعريـة آليات التفكير الجمعي، ورفض مسايرة القطيع مهما كان الثمن، وإذا كان العالم يسير بلا براهين، فإن الفيلسوف الحقيقي، في تصوره، هو من يحمل مشعل الشك والنقد ليواجه به أوهام "سوق الجهال"، حتى وإن دفع ثمن ذلك عزلةً تاريخية.
1. الاستلاب الثقافي ومقاومة التغيير: "أطروحة ابن خلدون تلتقي بسبانخ"
لعل ما يصفه حسن سبانخ بـ"المحاولة غير العلمية لتغيير حركة المجتمع" يجد جذوره في علم الاجتماع الفلسفي؛ فالمجتمعات الرافضة للتنوير تعاني من حالة من الجمود السلوكي، وعندما يفقد المجتمع بوصلته العلمية، تصبح الأعراف السائدة والجهل المنظم هما "المنطق البديل" الذي يحمي البنية الاجتماعية من الانهيار.
وبناءً على ذلك، فإن دخول المصلح أو العالم بقوانين غريبة عن هذا النسق الرتيب يُنظر إليه بوصفه عنصرًا "مُخرِّبًا" لا مصلحًا، وهنا تلتقي عبثية سبانخ مع فكرة "مقاومة التغيير الاجتماعي"؛ إذ يمتلك الجهل الجمعي آليات دفاعية شرسة، تجعل من المحاولة العقلانية فعلًا يفتقر إلى الحكمة السوسيولوجية، لأنها تحاول علاج المريض بدواء لا يستسيغه جسده.
2. سيكولوجية الخطاب: من "مطرقة نيتشه" إلى "مسرح الأفوكاتو"
عندما يفكك نيتشه "سوق الجهال"، مركِّزًا على "نبرات الصوت وحركات الجسد"، فإنه يضع يده على المفهوم الحديث لـ "الشعبوية السيكولوجية"، فالجماهير لا تبحث عن الحقيقة المجردة بقدر ما تبحث عن "الاستعراض" الذي يغازل يقينياتها المسبقة.
وفي فيلم «الأفوكاتو»، نجد أن حسن سبانخ ينجح في قضاياه ليس بالاستناد إلى نصوص القانون الصارمة، بل عبر "مسرح المحاكمة"، فهو هنا يستخدم الجسد، والصراخ، واللعب على أوتار العاطفة والغرائز البسيطة للحاضرين. وهذا التطابق بين تنظير نيتشه وتطبيق سبانخ يثبت أن الخطاب في بيئات الركود الفكري يتحول من أداة لبيان الحقيقة إلى أداة لإدارة الوهم، حيث تصبح الغلبة لمن يمتلك العرض الأقوى، لا الحجة الأقوى.
3. مأزق المثقف بين الانعزال والاندماج العبثي
تثير المقارنة بين نيتشه وسبانخ إشكالية فلسفية كبرى حول "مصير الوعي وسط طوفان الجهل،. فنيتشه، الفيلسوف النخبوي، اختار العزلة الفكرية وحياة "المغترب" الذي يكتب للمستقبل ولـ "الإنسان الأعلى"، رافضًا تقديم أي تنازلات لسوق الجهال, أما حسن سبانخ، فقد اختار مسارًا مغايرًا تمامًا؛ مسار "الاندماج الساخر"، حيث أدرك سبانخ أن العزلة لن تغيّر الواقع، فقرر أن يرتدي قناع العبث ويقود اللعبة من الداخل، مستخدمًا أدواتها ذاتها. وهذا التباين يضعنا أمام خيارين أحلاهما مرّ يواجهان كل وعي حاد: إما الانكفاء على الذات ونقد القطيع من بعيد، على طريقة نيتشه، أو الانغماس في جنون المجموع واستخدامه درعًا للنجاة، على طريقة سبانخ.
حين تصف السخرية ما يحلله الفيلسوف
إن "حسن سبانخ" هو التجسيد العملي والواقعي لـ "سوق الجهال" الذي حذر منه نيتشه، فعندما أيقن أن البراهين والخطاب العلمي يثيران نفور المجتمع المحيط به، تخلّى عن أدوات "المحاماة التقليدية" المستندة إلى روح العدالة، واعتمد بدلاً منها على "نبرات الصوت، وحركات الجسد، والفهلوة" ليقنع المحكمة والناس بعبثيته.
يلتقي نيتشه وسبانخ في حقيقة مريرة، وهي محاولة فرض المنطق على واقع غير منطقي هي ضرب من الوهم، لكن في حين صاغ نيتشه هذه الحقيقة كمطرقة فلسفية لتفكيك الأوهام، حوّلها رأفت الميهي وعادل إمام إلى مرآة سينمائية ساخرة تضحكنا على مأساتنا، لتظل الكوميديا السوداء، في أحيان كثيرة، هي الوجه الآخر للفلسفة الأكثر عمقًا.
مأساة الوعي الحاد وبدائل النجاة
إن التلاقي الصادم بين عبثية "حسن سبانخ" وجذرية "فريدريك نيتشه" يضعنا، في المحصلة، أمام المعضلة الأزلية للوعي البشري حين يصطدم بجدار الجهل المنظّم، فكلاهما ينطلق من مسلّمة واحدة: أن مواجهة مجتمع يرفض البرهان بلغة المنطق تمثل، في كثير من الأحيان، ضربًا من الرومانسية الفكرية الخاسرة. غير أن الافتراق يبدأ عند لحظة الاختيار؛ حيث تتحدد طريقة البقاء داخل هذا الاصطدام أو خارجه.
فبينما يمثل نيتشه صرخة "الفيلسوف المغترب" الذي يرفض النزول إلى "سوق الجهال"، مفضّلًا العزلة الفلسفية الشاهقة انتظارًا لظهور "الإنسان الأعلى" القادر على تحطيم الأصنام الفكرية بمطرقته، يجسد حسن سبانخ نموذج البطل العبثي الواقعي الذي تخلّى عن برج التأمل النظري ليغوص في مستنقع اللامنطق، مرتديًا قناع الفهلوة والانتهازية الذكية كسلاح وحيد للنجاة، وهو بذلك يستوعب الحقيقة القاسية: أن الإصرار على العقلانية الصلبة داخل نسق اجتماعي مأزوم قد يتحول إلى شكل من أشكال الانتحار الهادئ.
السينما والفلسفة.. مرآتان لواقع مأزوم
في نهاية هذا التشريح الفكري، يتضح أن السينما الساخرة عند رأفت الميهي لم تكن مجرد وسيلة للترفيه أو الإضحاك، بل كانت ممارسة فلسفية شديدة العمق والجرأة، أعادت صياغة الأسئلة النيتشوية المعقدة داخل صور حياتية يومية قابلة للمشاهدة والتجسيد، لقد كشف فيلم "الأفوكاتو" أن الكوميديا السوداء ليست نقيض الفلسفة، بل أحد أكثر أشكالها كثافة، حيث تتقاطع المفارقة مع التحليل، والسخرية مع التشريح الاجتماعي.
وحين يعجز البرهان الصارم عن اختراق عقول تكلّست بالدوغما وتغذت على الإيقاع الانفعالي لنبرات الصوت ولغة الجسد، تصبح السخرية أداة تفكيك أخيرة، لا تقل جدية عن أي خطاب فلسفي مباشر. ويبقى السؤال المعلّق، الذي يتقاسمه الفيلسوف الألماني مع المحامي السينمائي، حاضرًا فوق وعي كل متلقٍ: هل يكون التعالي على "سوق الجهال" طريقًا إلى عزلة فكرية خانقة، أم أن ارتداء أقنعة العبث هو شكل آخر من أشكال النجاة داخل واقع فقد توازنه المعرفي؟
الوعي كعبء والضحك كخلاص
إن القيمة الحقيقية التي تفرضها هذه المقارنة لا تكمن في المفاضلة بين مطرقة نيتشه وفهلوة سبانخ، بل في كشف تلك الفجوة العميقة بين وعي الفرد وركود المجموع. فحين ندرك أن مقاومة المنطق داخل بعض البُنى الاجتماعية ليست حادثًا عابرًا بل آلية مستقرة ذات دفاعات نفسية وسوسيولوجية، يتراجع الاندهاش أمام سيادة الوهم، ويحلّ محله فهم أكثر قسوة ووضوحًا لطبيعة الواقع.
وإذا كان نيتشه قد انتهى إلى حافة الانهيار تحت ثقل رؤيته الصارمة، فإن "حسن سبانخ" يقدم، عبر منطق الكوميديا السوداء، صيغة مختلفة للتعامل مع العبء ذاته؛ صيغة لا تلغي الألم لكنها تعيد تشكيله. فالسخرية هنا ليست هروبًا، بل تقنية بقاء، والضحك ليس ترفًا، بل وسيلة لإعادة توازن الوعي أمام عالم يختبر حدوده باستمرار.
مراجع:
