يوسف إدريس ونوبل.. ماذا حدث فعلًا في 1984؟

حين أعلن يوسف إدريس، عميد القصة القصيرة العربية، أنه رفض جائزة نوبل للآداب، قوبل كلامه بموجة من السخرية والتشكيك. كان ذلك في أواخر الثمانينيات، بعد فوز نجيب محفوظ بالجائزة عام 1988، حين خرج إدريس ليقول إن الأكاديمية السويدية عرضت عليه الجائزة قبل ذلك بأربع سنوات، وأنه رفضها. 


جائزة نوبل للأدب - يوسف إدريس
يوسف إدريس 


كثيرون من كتّاب الصحف المصرية اعتبروا كلامه محض غيرة من زميله الكبير، وتردد السؤال في الصالونات الأدبية: من سمع يومًا أن لجنة نوبل، المعروفة بسريتها المطلقة، تتصل بمرشح لتخبره مسبقًا بفوزه؟

لم تكن لدى يوسف إدريس حينها أي وثيقة يستند إليها، وإنما كانت لديه روايته الشخصية فقط... ومع ذلك ظل «إدريس» مُصرًّا على أن ما جرى حقيقي، حتى وافته المنية عام 1991، دون أن يرى من ينصفه... فما الحقيقة إذن؟

مبدع لم يُصدَّق

في تاريخ الأدب العربي، قليلة هي الحكايات التي ارتبطت باسم كاتب كما ارتبطت حكاية جائزة نوبل باسم يوسف إدريس... كان إدريس، صاحب «الحرام» و«النداهة» و«العسكري الأسود»، أحد أبرز الأسماء العربية المرشحة للعبور بالأدب العربي إلى العالمية، وكان يرى في نفسه مشروع كاتب عالمي لا مجرد أديب مصري. 

وقبل حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988 بسنوات، كان إدريس يتحدث علنًا عن الجائزة وعن ترشيحه لها، بل قال في حوار نُشر عام 1984 إنه رُشّح لها أربع مرات، وإن اسمه كان ضمن قائمة قصيرة تضم أربعة أو خمسة كتاب.

ولهذا لم تكن جائزة نوبل للأدب بالنسبة إلى يوسف إدريس موضوعًا عابرًا أو مفاجأة ظهرت يوم فاز بها نجيب محفوظ. كان الكاتب يتابع الأمر ويعلن موقفه منه، وكان مقتنعًا بأن مكانته الأدبية تؤهله للمنافسة عليها. وعندما أعلنت الأكاديمية السويدية في أكتوبر 1988 منح الجائزة لنجيب محفوظ، ارتبط اسم إدريس بقصة أخرى أكثر إثارة؛ إذ تحدث لاحقًا عن واقعة تتعلق بالجائزة، وعن اقتراح بأن تُمنح مناصفة مع كاتب إسرائيلي، مؤكدًا أنه رفض هذا الأمر. ومنذ ذلك الوقت أصبحت قصة «رفض نوبل» واحدة من أكثر الحكايات تداولًا في سيرته، رغم أن تفاصيلها ظلت محل نقاش.

نجيب محفوظ يحسم الجائزة

في عام 1988 اتخذت الأكاديمية السويدية قرارها ومنحت جائزة نوبل في الأدب لنجيب محفوظ، ليصبح أول مصري وأول كاتب لغته العربية يفوز بالجائزة في الأدب. وأشادت الأكاديمية بأعماله التي أسهمت في تشكيل فن سردي عربي ذي أبعاد إنسانية واسعة، وكان فوزه لحظة فارقة في تاريخ الأدب العربي، إذ فتح الباب أمام حضور الرواية العربية بصورة غير مسبوقة على واحدة من أهم منصات التكريم الأدبي في العالم.

أما جائزة عام 1984، التي ترتبط بها رواية إدريس المتداولة، فلم تكن من نصيب أي كاتب عربي؛ فقد ذهبت في ذلك العام إلى الشاعر التشيكي ياروسلاف سيفرت. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما اختلطت في الكتابات اللاحقة: الترشيح للجائزة، والمناقشات التي تدور حول المرشحين، والفوز الفعلي بها. فوجود اسم أديب في قوائم الترشيح لا يعني أنه كان الفائز المتوقع أو أن قرار المنح قد اتُخذ بالفعل، كما أن الحديث مع كاتب حول الجائزة لا يعني بالضرورة وجود قرار رسمي بمنحه إياها.

من أين جاءت حكاية «رفض نوبل»؟

تعود الرواية الأساسية إلى ما نُسب إلى يوسف إدريس نفسه، ثم إلى روايات ومصادر صحفية ظهرت لاحقًا. وبحسب ما نُقل عن شيل إسبمارك، عضو الأكاديمية السويدية، فإن إدريس دخل في مواجهة مع فكرة حصوله على الجائزة إذا ارتبط منحها باعتبارات سياسية تتعلق بكاتب إسرائيلي. وتزداد أهمية هذه الرواية لأن إسبمارك لم يكن صحفيًا عابرًا في تاريخ الجائزة، وإنما كان عضوًا في الأكاديمية السويدية، وترأس لجنة نوبل للأدب في وقت لاحق، كما كتب كتابًا عن تاريخ الجائزة ومعايير اختيار الفائزين.

غير أن هذه الرواية لا تكفي وحدها لإثبات الصيغة الشائعة التي تقول إن «الأكاديمية السويدية عرضت نوبل رسميًا على يوسف إدريس فرفضها»، فالمسألة أدق من ذلك؛ إذ تشير الروايات المتاحة إلى وجود حديث أو اقتراح يتعلق بإمكانية تقاسم الجائزة مع كاتب إسرائيلي، وإلى أن إدريس رفض الفكرة بشدة، لكنها لا تقدم وثيقة رسمية منشورة تثبت أن الأكاديمية اتخذت قرارًا نهائيًا بمنحه الجائزة ثم عرضتها عليه ورفضها. وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن الترشيح أو المناقشة أو الاقتراح لا يساوي قرار الفوز بالجائزة.

ماذا قال إسبمارك؟

شيل إسبمارك، الشاعر والناقد الأدبي السويدي وعضو الأكاديمية السويدية، التي تمنح جائزة نوبل في الأدب، قدّم رواية مختلفة عن الصورة التي انتشرت لاحقًا بشأن يوسف إدريس ونوبل، فبحسب ما نُقل عنه في حوار صحفي، لم تكن المسألة عرضًا رسميًا من الأكاديمية السويدية لمنح إدريس الجائزة مناصفة مع كاتب إسرائيلي، وإنما كان سياسي سويدي سابق في زيارة إلى القاهرة، واقترح على إدريس أن يقتسم الجائزة مع كاتب إسرائيلي. ووفق الرواية نفسها، أثار الاقتراح غضب إدريس، فرفضه بشدة.

وترتبط هذه الرواية أيضًا بما أورده إسبمارك في كتابه عن تاريخ جائزة نوبل ومعايير اختيار الفائزين؛ إذ أشار إلى تصريح نُسب إلى يوسف إدريس ونشرته صحيفة «داغنز نيهيتر» السويدية في 9 يونيو 1984، تحدث فيه إدريس عن فكرة تقاسم الجائزة مع كاتب إسرائيلي، وربطها ساخرًا بجائزة نوبل للسلام التي حصل عليها أنور السادات ومناحيم بيغن عام 1978، متسائلًا عما إذا كانت الجائزة الأدبية ستتحول إلى «مظاهرة سياسية». ثم جاء تعليق إسبمارك على هذا التصور ليؤكد أن القائمين على الجائزة لا ينظرون إليها بهذه الطريقة.

وهنا تظهر النقطة التي اختلطت في الروايات الصحفية اللاحقة: إسبمارك لم يقل إن الأكاديمية السويدية قررت منح يوسف إدريس جائزة نوبل ثم عرضتها عليه رسميًا ليتقاسمها مع كاتب إسرائيلي؛ وإنما الرواية المنقولة عنه تتحدث عن اقتراح صدر من سياسي سويدي كان في زيارة إلى مصر. ولذلك فإن استخدام عبارة «الأكاديمية عرضت عليه الجائزة» يتجاوز ما تثبته شهادة إسبمارك نفسها. كما أن بعض الكتابات الصحفية ذهبت إلى أبعد من ذلك، واعتبرت رواية إسبمارك إثباتًا لوصول عرض رسمي من الأكاديمية، وهو استنتاج لا تؤيده الصيغة المنقولة عنه.

وبذلك يمكن القول إن شهادة إسبمارك تدعم أصل الواقعة، لكنها تصحح طبيعتها: كانت هناك بالفعل فكرة طُرحت أمام يوسف إدريس بشأن اقتسام نوبل مع كاتب إسرائيلي، وكان موقف إدريس منها الرفض والغضب، لكن المتاح من شهادة إسبمارك لا يثبت أن هذا الاقتراح كان قرارًا رسميًا صادرًا عن الأكاديمية السويدية. وهذه التفرقة هي الأهم عند كتابة القصة؛ لأنها تفصل بين ما يمكن نسبته إلى شهادة عضو في الأكاديمية، وبين الرواية الأوسع التي تحولت مع مرور الوقت إلى مقولة شائعة مفادها أن يوسف إدريس «رفض جائزة نوبل».

«جائزة بيغن ـ السادات».. المقارنة التي قالها إدريس

لم يكن استدعاء إدريس لجائزة السلام التي حصل عليها السادات وبيغن من فراغ؛ ففي عام 1978 حصل الرجلان على جائزة نوبل للسلام مناصفة، في سياق اتفاقات كامب ديفيد ومسار السلام المصري الإسرائيلي. وكان إدريس من أشد المعارضين لذلك المسار السياسي، وهو ما انعكس على كتاباته ومواقفه في تلك المرحلة، ولذلك جاءت المقارنة بالنسبة إليه مرتبطة بموقف سياسي وفكري واضح.

وبحسب الروايات المنسوبة إليه، لم يكن اعتراض إدريس على الجائزة في حد ذاتها، وإنما على أن ترتبط الجائزة الأدبية بمشاركة كاتب إسرائيلي، بما يمنحها دلالة سياسية لم يكن مستعدًا لقبولها. ومن هنا يصبح موقفه مفهومًا في سياق مواقفه السياسية في ذلك الوقت، لكن يبقى من الضروري الفصل بين موقف إدريس الشخصي وبين إثبات أن الأكاديمية السويدية اتخذت قرارًا نهائيًا بمنحه الجائزة بهذه الصيغة.

يوسف إدريس ونوبل قبل محفوظ

من الأخطاء الشائعة اختزال علاقة إدريس بنوبل في حالة الغضب التي أعقبت فوز نجيب محفوظ. فالمصادر التي تنقل حوارات إدريس تؤكد أن الجائزة كانت حاضرة في تفكيره قبل عام 1988 بسنوات، وأنه كان يتحدث عن ترشيحه لها وعن فرصه في الحصول عليها. وفي حوار نُشر عام 1984، قال إدريس إنه رُشّح للجائزة أربع مرات، وإنه كان يرى نفسه مرشحًا عربيًا بارزًا لها.

وهنا يجب استخدام كلمة «ترشيح» بحذر؛ لأن نظام نوبل يميز بين الترشيحات الرسمية التي تدخل في عملية الاختيار وبين الأحاديث الصحفية أو الأكاديمية عن مرشح محتمل. وتوضح مؤسسة نوبل أن الترشيح لا يعني الفوز، وأن عملية الاختيار تمر بمراحل متعددة قبل اتخاذ القرار النهائي، كما أن أسماء المرشحين وتفاصيل الترشيحات تظل سرية لمدة 50 عامًا.

طه حسين.. من أوائل الأسماء العربية في سجلات الترشيح

أما القول إن «أول عربي وصل إلى طاولة نوبل كان طه حسين عام 1949» فيحتاج إلى صياغة أكثر دقة. فقاعدة بيانات نوبل المنشورة تُظهر أن طه حسين كان ضمن ترشيحات جائزة الأدب لعام 1949، وأن ترشيحه جاء من أحمد لطفي السيد، كما يظهر اسمه في ترشيحات لاحقة. وهذا يجعل طه حسين واحدًا من أوائل الأسماء العربية التي تظهر في السجلات المنشورة لترشيحات الجائزة.

لكن لا يصح أن ننسب إلى الأكاديمية السويدية سببًا محددًا لفشل ترشيحه، مثل القول إنها لم تتمكن من الاطلاع على أعماله بصورة كافية، إلا إذا استندنا إلى وثيقة محددة تثبت ذلك. وهذه نقطة مهمة في التعامل مع أرشيف نوبل؛ فالأرشيف يسمح بمعرفة من رُشّح ومتى ومن قام بالترشيح، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل تفسير متداول حول مصير الترشيح أصبح حقيقة موثقة.

ماذا تقول وثائق نوبل فعلًا؟

من أهم الحقائق التي تكشفها مؤسسة نوبل أن نظام الترشيحات يقوم على السرية، وأن أسماء المرشحين والمعلومات المتعلقة بالترشيحات لا تُكشف قبل مرور 50 عامًا. ولذلك لم يكن من الممكن في حياة يوسف إدريس التحقق بسهولة من كل ما كان يقوله عن ترشيحه للجائزة أو عن الاتصالات التي قيل إنها جرت بشأنها، كما أن كثيرًا من الروايات التي انتشرت لاحقًا لم تكن قابلة للفحص الأرشيفي في وقتها.

وهذا يفسر جانبًا من الجدل الذي أحاط بالقصة؛ فإدريس كان يتحدث عن واقعة لا يستطيع الصحفيون أو النقاد في ذلك الوقت الرجوع إلى ملفات نوبل للتحقق منها. وبعد مرور العقود بدأت أجزاء من الأرشيف تصبح متاحة، وأصبح من الممكن مقارنة بعض الروايات القديمة بما تكشفه سجلات الترشيحات والوثائق المنشورة. لكن هذه المقارنة لم تؤد إلى إثبات كل تفاصيل القصة المتداولة، وإنما أكدت بعض جوانبها وأبقت جوانب أخرى محل نقاش.

الخلفية السياسية: «البحث عن السادات»

كانت علاقة يوسف إدريس بالرئيس أنور السادات متوترة في مراحل مختلفة، وظهر ذلك بوضوح في كتاباته ومواقفه السياسية. ومن أبرز ما ارتبط بهذه المرحلة كتاب «البحث عن السادات»، الذي جمع مقالات سياسية تناول فيها إدريس سياسات السادات واتفاقية كامب ديفيد وغيرها من القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في مصر والعالم العربي.

وتنقل مصادر صحفية لاحقة عن زوجته رجاء الرفاعي اعتقادها بأن موقف إدريس من إسرائيل والتطبيع كان أحد الأسباب التي جعلته يعتقد أنه حُرم من الجائزة. لكن هذا يظل تفسيرًا منسوبًا إليها وإلى إدريس، وليس قرارًا معلنًا من الأكاديمية السويدية يثبت أن موقفه السياسي كان سببًا رسميًا لعدم حصوله على نوبل. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول تفسير شخصي إلى حقيقة تاريخية منسوبة إلى المؤسسة نفسها.

هل كانت نوبل بعيدة تمامًا عن السياسة؟

لا يسمح تاريخ الجائزة بإجابة بسيطة تقول إن نوبل كانت دائمًا بعيدة عن السياسة أو أنها كانت دائمًا سياسية. فالجائزة تُمنح في سياقات تاريخية وثقافية وسياسية مختلفة، كما أن اختيار أي كاتب يجري داخل مؤسسة بشرية لها تاريخها وأعضاؤها وتصوراتها عن الأدب وقيمته. ومع ذلك، فإن وجود سياق سياسي حول الجائزة لا يعني تلقائيًا أن القرار اتُخذ لسبب سياسي، ولا يمكن إثبات ذلك في حالة بعينها إلا من خلال الأدلة المتاحة.

ولهذا فإن السؤال الأدق في حالة يوسف إدريس ليس: «هل حُرم من نوبل بسبب موقفه من إسرائيل؟»، وإنما: «ما الذي نعرفه بالفعل عن ترشيحه للجائزة، وما الذي نعرفه عن موقفه من فكرة تقاسمها مع كاتب إسرائيلي، وما الذي يبقى في نطاق الرواية والتفسير؟». هذا السؤال أكثر صرامة، لأنه يضع كل معلومة في درجتها الصحيحة بدل جمع الروايات المختلفة في قصة واحدة مكتملة.

إدريس وسارتر.. تشابه لا ينبغي أن يتحول إلى مساواة

يُذكر يوسف إدريس أحيانًا إلى جوار عدد من الكتاب الذين رفضوا جائزة نوبل، وأشهرهم الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر. لكن هناك فرق جوهري بين الحالتين؛ فسارتر حصل بالفعل على جائزة نوبل للأدب عام 1964، ثم رفضها، وهو أمر موثق رسميًا في سجلات نوبل، بينما يوسف إدريس لم يُعلن فائزًا بالجائزة ولم يحصل عليها أصلًا.

ومن ثم فإن وصف إدريس بأنه «رفض نوبل» بالمعنى نفسه الذي رفضها به سارتر يحتاج إلى قدر من التحفظ. الأدق أن يقال إن إدريس ارتبط اسمه برواية عن رفض اقتراح أو صيغة تتعلق بالجائزة، بينما سارتر رفض جائزة مُنحت إليه بالفعل. والفارق بين «رفض جائزة بعد الفوز بها» و«رفض اقتراح مرتبط بإمكانية الحصول عليها» ليس تفصيلًا لغويًا، وإنما فارق تاريخي أساسي.

المفارقة الأخيرة: إدريس رحل قبل اكتمال الصورة

توفي يوسف إدريس في الأول من أغسطس عام 1991، أي بعد فوز نجيب محفوظ بنوبل بنحو ثلاث سنوات، وقبل أن تصبح أجزاء كبيرة من أرشيف الترشيحات متاحة للباحثين. وهكذا رحل صاحب «الحرام» و«النداهة» و«العسكري الأسود» دون أن تتاح له فرصة رؤية الصورة الأرشيفية التي كان يمكن أن تدعم بعض ما قاله أو تنفي بعض تفاصيله.

ولهذا فإن القول إن «التاريخ أنصفه بعد ثلاثة عشر عامًا» يحتاج إلى تعديل؛ لأن السرية الأساسية لملفات الترشيحات في نوبل تمتد 50 عامًا، وليس 13 عامًا. كما أن ما ظهر لاحقًا لا يقدم، في حدود المصادر المنشورة التي يمكن التحقق منها، حكمًا نهائيًا بأن إدريس «رفض جائزة نوبل» بالمعنى الرسمي، وإنما يجعلنا نملك معلومات أكثر عن ترشيحاته وعن الجدل الذي دار حول علاقته بالجائزة.

بين الرواية والوثيقة

تبقى حكاية يوسف إدريس ونوبل واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الأدب العربي، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن بالضرورة في الرواية الأسطورية التي تقول إن كاتبًا عربيًا عُرضت عليه نوبل فرفضها، وإنما في المسافة التي تفصل بين ما قاله إدريس، وما نقلته الصحافة، وما تكشفه الوثائق. فالمؤكد أن إدريس كان يتحدث عن نوبل وترشيحه لها قبل فوز نجيب محفوظ، والمؤكد أن محفوظ أصبح أول مصري وأول كاتب عربي اللغة يفوز بها في الأدب عام 1988، والمؤكد أن نظام الترشيحات يخضع لسرية تمتد نصف قرن، كما أن مصادر لاحقة نسبت إلى شيل إسبمارك رواية عن موقف إدريس من فكرة تقاسم الجائزة مع كاتب إسرائيلي.

أما القول إن الأكاديمية السويدية قررت منح يوسف إدريس جائزة نوبل للأدب رسميًا ثم عرضتها عليه فرفضها، فلا تملك المصادر المنشورة المتاحة ما يكفي لإثباته بهذه الصيغة القطعية. ولذلك فإن الأمانة التاريخية تقتضي أن تبقى الحكاية في مكانها الصحيح: واقعة لها رواية قوية ومتداولة، ولها ما يدعم بعض عناصرها، لكنها ليست مطابقة تمامًا للأسطورة التي صنعتها كثرة التكرار.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في قصة يوسف إدريس: أن الكاتب الذي ظل يبحث عن الاعتراف العالمي بقيمته الأدبية ترك وراءه واحدة من أكثر الحكايات غموضًا حول نوبل، بينما بقيت أعماله نفسها هي الوثيقة الأوضح على مكانته في الأدب العربي. فسواء أُغلقت كل أبواب الحكاية الأرشيفية يومًا أم بقي بعضها مفتوحًا، فإن قيمة يوسف إدريس الأدبية لا تحتاج إلى جائزة نوبل كي تثبت وجودها.

فيديو | أزمة جائزة نوبل للأدب بين نجيب محفوظ ويوسف إدريس

اقرأ أيضاً: 


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال