من السخرية السوداء في مواجهة الاضطراب الأميركي إلى الدراما النفسية القوطية التي تستكشف هشاشة العلاقات الإنسانية، يواصل ليوناردو دي كابريو تنويع اختياراته السينمائية، فيما يعود مارتن سكورسيزي إلى التعاون معه في فيلم جديد يجمعه بجينيفر لورانس، بعد تجربة بول توماس أندرسون التي وضعت السياسة والمجتمع الأميركي في قلب مواجهة سينمائية ساخرة.
في عالم تتشابك فيه الحروب والأزمات السياسية وصعود التيارات المتطرفة مع المخاوف الشخصية واضطراب العلاقات الإنسانية، تبدو السينما قادرة على الاقتراب من الجنون الذي يحيط بالبشر، سواء من خلال مواجهة مباشرة مع السلطة والسياسة، أو عبر الغوص في المناطق المظلمة من النفس البشرية.
وبين هذين المسارين، يلتقي فيلمان مختلفان في الموضوع والأسلوب عند اسم واحد هو ليوناردو دي كابريو، الذي يواصل اختيار أدوار تتيح له الانتقال بين عوالم متباينة، من دون أن يتخلى عن الشخصيات المركبة التي تتجاوز صورتها الظاهرة.
ففي «One Battle After Another»، يقدم المخرج بول توماس أندرسون رؤية ساخرة ومتوترة للواقع الأميركي، مستعينًا بمزيج من الأكشن والكوميديا السوداء والإثارة السياسية، أما في «What Happens at Night»، فيعود دي كابريو إلى التعاون مع المخرج مارتن سكورسيزي، ضمن حكاية نفسية غامضة تبدأ برحلة زوجين إلى بلدة أوروبية مغطاة بالثلوج، بحثًا عن طفل يتبنيانه، قبل أن تتحول الرحلة إلى اختبار قاسٍ لعلاقتهما ولتصوراتهما عن نفسيهما.
لا يتشابه الفيلمان في بنيتهما الدرامية أو طبيعة الصراع الذي يحركهما، لكن المقارنة بينهما تفتح نافذة على اتجاهين في السينما المعاصرة: الأول يستخدم الترفيه والسخرية لتفكيك تناقضات المجتمع والسلطة، والثاني يستعين بالغموض والأجواء القوطية لاستكشاف الخوف والفقد والشك، وما يمكن أن يحدث حين تتعرض الحياة التي اعتادها الإنسان للاهتزاز.
![]() |
| من جنون السياسة إلى غموض النفس.. ليوناردو دي كابريو بين «One Battle After Another» و«What Happens at Night» |
«One Battle After Another».. حين يتحول الجنون السياسي إلى كوميديا سوداء
صدر فيلم «One Battle After Another» في 26 سبتمبر 2025، من كتابة وإنتاج وإخراج بول توماس أندرسون، مستلهمًا بعض عناصره من رواية «Vineland» للكاتب الأميركي توماس بينشون، الصادرة عام 1990. ويجمع الفيلم بين الأكشن والكوميديا والإثارة، لكنه لا يجعل الحركة غاية في ذاتها، بل يوظفها ضمن رؤية أوسع تتناول الصراعات السياسية والاجتماعية، وتكشف التناقضات الكامنة في الخطاب الأميركي عن الحرية والأمن والهوية.
ينطلق الفيلم من شخصية «بات كالهون»، الثوري السابق الذي يؤدي دوره دي كابريو، والذي يعيش حياة منعزلة مع ابنته المراهقة ويلا، بعيدًا عن ماضيه المضطرب. غير أن الهدوء الذي يحاول التمسك به لا يستمر طويلًا؛ إذ يعود الكولونيل ستيفن لوكجاو، الذي يؤدي دوره شون بين، إلى الظهور بعد مرور 16 عامًا، لتبدأ مواجهة تعيد الماضي إلى الحاضر، وتضع الأب وابنته أمام أخطار تتجاوز حدود حياتهما الخاصة.
وتتصل هذه المواجهة بتاريخ بات الثوري وعلاقته ببريفيديا بيفرلي هيلز، التي تؤدي دورها تيانا تايلور، وتنتمي إلى فصيل ثوري يحمل اسم «French 75». ومن خلال هذه الشخصيات، ينسج أندرسون حكاية تتقاطع فيها الروابط العائلية مع الصراع السياسي، ويتحول الماضي من مجرد ذكريات إلى قوة فاعلة تتحكم في مصائر الشخصيات.
ولا يتعامل الفيلم مع السياسة باعتبارها خلفية بعيدة للأحداث، وإنما يجعلها جزءًا من الحياة اليومية، تظهر آثارها في الخوف والمطاردة والعلاقات الشخصية، وفي الطريقة التي ينظر بها الأفراد إلى أنفسهم وإلى الآخرين. فالصراع لا يدور فقط حول من يمتلك القوة، بل حول المعاني التي يستخدمها كل طرف لتبرير أفعاله، والحدود التي يمكن أن يتجاوزها باسم الأمن أو الثورة أو حماية الهوية.
من رواية «فينلاند» إلى أميركا المعاصرة
تكتسب تجربة أندرسون أهمية إضافية من علاقته بالمصدر الأدبي. فرواية «Vineland» تنتمي إلى سياق تاريخي وسياسي مختلف، يرتبط في جانب منه بتحولات الولايات المتحدة خلال حقبة الرئيس رونالد ريغان، بينما ينقل الفيلم اهتماماته إلى واقع أكثر قربًا من الانقسامات الأميركية الراهنة، بما يشمل سياسات الهجرة وتصاعد الخطاب المتطرف والتوتر بين السلطة والحريات الفردية.
ولا يعني هذا الانتقال أن الرواية تنبأت حرفيًا بما يحدث في الحاضر، وإنما يكشف عن قدرة بعض الأعمال الأدبية على الاحتفاظ بأسئلتها الأساسية، حتى حين تتغير الظروف التي أنتجتها. فالصراع بين السلطة والمعارضة، والتوتر بين الخوف والحرية، واستخدام الشعارات لتبرير الممارسات السياسية، قضايا يمكن أن تعود في صور مختلفة عبر الزمن.
وهنا لا يقدم أندرسون قراءة تاريخية مباشرة بقدر ما يعيد توظيف المادة الأدبية في بناء عالم سينمائي يعكس مخاوف عصره. وتسمح له هذه المقاربة بالمزج بين وقائع تبدو مألوفة للمشاهد وبين مواقف عبثية تكشف أن الواقع السياسي نفسه قد يتجاوز أحيانًا ما يمكن تخيله.
الضحك في مواجهة السلطة
تؤدي الكوميديا السوداء دورًا أساسيًا في تشكيل نبرة الفيلم. فالضحك لا يأتي هنا بوصفه فاصلًا يخفف من حدة الأحداث، وإنما باعتباره وسيلة لكشف التناقض بين الشعارات المعلنة والسلوك الفعلي للشخصيات، وبين الصورة التي تحاول السلطة رسمها لنفسها والواقع الذي تكشفه أفعالها.
وتزداد فاعلية هذا الأسلوب حين تتجاور المواقف الساخرة مع مشاهد المطاردة والعنف والتوتر. فبدلًا من تقديم خطاب سياسي مباشر يشرح للمشاهد ما ينبغي أن يعتقده، يترك أندرسون المفارقات الدرامية تكشف عن نفسها، ويمنح المشاهد فرصة ملاحظة العبث الكامن في بعض المواقف والشخصيات.
ويقدم دي كابريو في دور بات كالهون أداءً يجمع بين الارتباك والكوميديا والتوتر، بما يتناسب مع شخصية تحاول الإفلات من ماضيها، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى مواجهته. وفي المقابل، يمنح شون بين شخصية لوكجاو حضورًا عدائيًا واضحًا، بينما تقدم تيانا تايلور شخصية ذات ثقل في مسار الصراع، وتلفت تشايس إنفينيتي الأنظار في أول ظهور سينمائي لها من خلال دور ويلا.
بهذا المعنى، لا يكتفي الفيلم بتصوير مواجهة بين أفراد ينتمون إلى معسكرات متعارضة، بل يطرح سؤالًا عن إمكانية النجاة من منظومة صراع تتجدد باستمرار، حتى عندما يظن أصحابها أنهم تجاوزوا الماضي.
استقبال نقدي قوي ومعادلة تجارية معقدة
حظي «One Battle After Another» بإشادة نقدية واسعة، وحقق حضورًا بارزًا في موسم الجوائز، وفق البيانات الواردة عن ترشيحاته وانتصاراته. وقد انعكس ذلك على مكانته بوصفه أحد أبرز مشاريع أندرسون، الذي جمع فيه بين طموح فني واضح وإنتاج ضخم نسبيًا مقارنة بأعماله السابقة.
لكن التجربة تطرح في الوقت نفسه سؤالًا عن العلاقة بين النجاح النقدي والعائد التجاري. فميزانية الفيلم قُدرت بما يتراوح بين 130 و175 مليون دولار، بينما بلغت إيراداته العالمية نحو 213 مليون دولار. ورغم أن هذه الأرقام جعلته من أبرز أفلام أندرسون من حيث الإيرادات، فإنها لا تكفي وحدها للحكم على تحقيقه ربحًا صافيًا، خصوصًا عند احتساب نفقات التسويق والتوزيع وحصص دور العرض.
وتكشف هذه المفارقة عن صعوبة المعادلة التي تواجه الأفلام ذات الطموح الفني والإنتاجي الكبير؛ إذ قد تنجح في استقطاب النقاد وتحقيق حضور قوي في الجوائز، من دون أن تحقق بالضرورة العائد المالي الذي يتناسب مع حجم الاستثمار فيها.
ومع ذلك، تبقى أهمية الفيلم مرتبطة بما يقدمه من محاولة للجمع بين السينما الجماهيرية والنقد السياسي، من دون التخلي عن التعقيد الدرامي أو الاعتماد على الخطاب المباشر.
«What Happens at Night».. رحلة إلى الثلج وما وراءه
بعد العالم المضطرب الذي يقدمه «One Battle After Another»، يتجه دي كابريو إلى مساحة مختلفة مع فيلم «What Happens at Night»، الذي يجمعه مجددًا بمارتن سكورسيزي، ويشاركه البطولة جينيفر لورانس. وتدور الحكاية حول زوجين أميركيين يسافران إلى بلدة أوروبية صغيرة تغطيها الثلوج، في محاولة لتبني طفل، لكن رحلتهما سرعان ما تنحرف عن مسارها المتوقع، لتصبح تجربة غامضة تهدد ما يعرفانه عن علاقتهما وعن نفسيهما.
الفيلم مقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأميركي بيتر كاميرون، صدرت عام 2020، ويتولى باتريك ماربر كتابة السيناريو، فيما تنتجه «آبل ستوديوز» بالشراكة مع «ستوديوكانال». وتصف المادة الرسمية العمل بأنه حكاية حلمية تدور في بلدة صغيرة مغطاة بالثلوج، وهو وصف ينسجم مع طبيعة الرواية التي تمزج بين الواقع المألوف والأجواء المقلقة، وتترك الحدود بين ما يحدث فعلًا وما قد يكون انعكاسًا للخوف والاضطراب أقل وضوحًا.
وتبدأ الرحلة بهدف يبدو واضحًا ومحددًا: تأسيس حياة عائلية جديدة من خلال التبني. لكن هذه الرغبة تصطدم بظروف قاسية، إذ تعاني الزوجة السرطان، ويستنزف السفر قواها، بينما يخشى الزوج أن يؤثر مرضها في فرص حصولهما على موافقة دار الأيتام.
ولا يتوقف التوتر عند العقبات العملية التي تواجه الزوجين، بل يتسع مع وصولهما إلى فندق ضخم فقد كثيرًا من بريقه القديم، ويبدو شبه مهجور. ففي هذا المكان، الذي يفترض أن يوفر لهما الراحة والاستقرار، يواجهان شخصيات غريبة يصعب فهم دوافعها، من بينها مغنية مسنة ورجل أعمال ومعالج روحاني.
ومع تعقد إجراءات التبني وتزايد الغموض المحيط بالمكان، تتراجع قدرة الزوجين على فهم ما يجري حولهما، ويصبح السؤال أعمق من مجرد نجاح الرحلة أو فشلها: هل يعرف كل منهما الآخر حقًا؟ وهل يمكن للإنسان أن يبدأ حياة جديدة من دون مواجهة المخاوف والأسرار التي يحملها معه؟
المرض والفقد وهشاشة الحياة الزوجية
تمنح ظروف الزوجة المرضية الحكاية بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الغموض المحيط بالفندق والشخصيات التي تسكنه. فالتبني هنا ليس مجرد إجراء اجتماعي، بل محاولة للتمسك بالمستقبل في مواجهة احتمال الفقد، والسعي إلى تأسيس رابطة جديدة في وقت تصبح فيه الحياة نفسها مصدرًا للقلق وعدم اليقين.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الرحلة بوصفها اختبارًا للعلاقة الزوجية تحت ضغط الخوف. فالأزمات لا تكشف دائمًا عن حقائق جديدة، لكنها قد تضع ما كان مستقرًا موضع تساؤل، وتجبر الأشخاص على مراجعة تصوراتهم عن الحب والمسؤولية والقدرة على الاحتمال.
أما الفندق شبه المهجور، بشخصياته الغريبة وأجوائه التي تجمع بين الفخامة المتآكلة والعزلة، فيمثل مساحة مناسبة لتصاعد هذا الاضطراب. فالمكان ليس مجرد خلفية للأحداث، وإنما عنصر يمكن أن يضاعف شعور الشخصيات بالغربة، ويجعل الرحلة الخارجية انعكاسًا لرحلة داخلية أكثر تعقيدًا.
ومع ذلك، تظل هذه الدلالات قراءة محتملة لطبيعة الرواية ومادتها الدرامية، وليست حكمًا نهائيًا على المعالجة السينمائية؛ ففاعلية الفيلم ستتوقف على كيفية تحويل هذه العناصر إلى مشاهد وشخصيات وصراع متصاعد، وعلى قدرة السيناريو والإخراج على الحفاظ على الغموض من دون أن يتحول إلى التباس يضعف التجربة.
سكورسيزي ودي كابريو.. شراكة تتجدد
يمثل «What Happens at Night» التعاون السابع بين مارتن سكورسيزي وليوناردو دي كابريو في فيلم روائي طويل، بعد أن بدأت شراكتهما مع «Gangs of New York» عام 2002، ثم «The Aviator» و«The Departed» و«Shutter Island» و«The Wolf of Wall Street»، وصولًا إلى «Killers of the Flower Moon» عام 2023.
وتكمن أهمية هذه الشراكة في أنها لم تستقر على نوع سينمائي واحد؛ فقد انتقلت بين الجريمة والتاريخ والسيرة الذاتية والإثارة النفسية والكوميديا السوداء، مع احتفاظها باهتمام واضح بالشخصيات التي تعيش صراعات داخلية أو تجد نفسها في مواجهة أنظمة اجتماعية وسياسية أكبر منها.
في «The Aviator»، ارتبطت الشخصية بالطموح والعبقرية والاضطراب النفسي، بينما تناول «The Departed» الخداع والهوية داخل عالم الجريمة والمؤسسات الأمنية. وفي «The Wolf of Wall Street»، اتخذت السخرية من الجشع والفساد المالي شكلًا صاخبًا، فيما عاد «Killers of the Flower Moon» إلى تاريخ العنف والاستغلال في الولايات المتحدة، عبر قصة تكشف العلاقة بين المال والسلطة والتهميش.
أما «What Happens at Night»، فيمنح الشراكة فرصة للانتقال إلى فضاء أكثر حميمية وغموضًا، تكون فيه العلاقة الزوجية والمرض والرغبة في التبني مداخل لاستكشاف الخوف والشك. وهو تحول لا يعني بالضرورة القطيعة مع موضوعات سكورسيزي السابقة، بقدر ما يتيح النظر إلى الإنسان من مسافة أقرب، بعيدًا عن المشاهد التاريخية الواسعة أو الصراعات الإجرامية المباشرة.
ويتولى سكورسيزي الإخراج والإنتاج عبر شركته «سيكيليا»، بمشاركة دي كابريو ولورانس ودانيال لوبي في الإنتاج، إلى جانب «أبيان واي» و«إكسيلنت كادافير» ضمن الشركات المشاركة في الإنتاج التنفيذي.
ويضم طاقم التمثيل، إلى جانب دي كابريو ولورانس، مادس ميكلسن وباتريشيا كلاركسون وجاريد هاريس وويلكر وايت. كما أعلنت مجلة «فارايتي» انضمام المغنية البريطانية تشارلي إكس سي إكس بظهور قصير، من دون الكشف عن تفاصيل شخصيتها.
جينيفر لورانس في مواجهة عالم سكورسيزي
يمثل اجتماع لورانس ودي كابريو في عمل واحد عنصر جذب إضافيًا للفيلم، لا سيما أن الحكاية تقوم على علاقة زوجية تتعرض لاختبارات متلاحقة في ظروف استثنائية. غير أن القيمة الفنية لهذا الاجتماع لن تتحدد بمجرد حضور نجمين بارزين، وإنما بمدى قدرة السيناريو على بناء علاقة متوازنة، ومنح الشخصيتين عمقًا مستقلًا، وتجنب اختزال الزوجة في مرضها أو الزوج في دور المرافق القلق.
وتحتاج الحكايات النفسية من هذا النوع إلى توزيع دقيق للمعلومات والانفعالات؛ فالغموض لا ينجح إذا كان مجرد سلسلة من الوقائع الغريبة، وإنما حين يرتبط بما تعيشه الشخصيات، ويؤثر في قراراتها وعلاقاتها. كما أن المكان الغريب لا يكتسب دلالته لمجرد غرابته، بل من علاقته بالحالة النفسية للأبطال ومن دوره في دفع الصراع إلى الأمام.
وإذا نجح الفيلم في تحقيق هذا التوازن، فقد يقدم تجربة تتجاوز حكاية زوجين يواجهان ظروفًا غير مألوفة، إلى تأمل أوسع في هشاشة الحياة التي يحاول الإنسان تنظيمها والسيطرة عليها، وفي المسافة بين ما يتمنى حدوثه وما تفرضه عليه التجربة.
الثلوج الأوروبية.. خلفية بصرية للغموض
بدأ التصوير الفعلي للفيلم في 27 فبراير 2026، وأعلنت «آبل» في 19 مارس أن العمل جارٍ في التشيك، ونشرت صورة أولى تجمع البطلين وسط الثلوج. وتولت شركة «ستيلكينغ فيلمز» خدمات الإنتاج المحلية، فيما توزعت مواقع التصوير بين براغ وبلدات ومناطق أخرى، بدعم من صندوق السمعي البصري التشيكي ولجنة الفيلم التشيكية.
ولا تقتصر أهمية هذا الاختيار على توفير خلفية أوروبية للحكاية، إذ يمكن للثلوج والعزلة والمباني القديمة أن تؤدي دورًا أساسيًا في تشكيل الإحساس بالزمن والمكان. فالبيئة المغلقة، حين تتصل بطقس قاسٍ وشخصيات يصعب تفسير سلوكها، تتيح بناء توتر يتصاعد تدريجيًا، من دون الحاجة إلى الاعتماد المستمر على الأحداث الصاخبة.
لكن الصورة البصرية وحدها لا تضمن نجاح هذا النوع من الأفلام؛ إذ ينبغي أن تتكامل مع الإيقاع والأداء والموسيقى والسيناريو، حتى لا تتحول الأجواء القوطية إلى غلاف جمالي منفصل عن جوهر الحكاية.
ولم يُعلن موعد نهائي لعرض «What Happens at Night» حتى الآن، فيما تتردد توقعات بشأن طرحه في أواخر 2026 أو خلال 2027. ولذلك يظل الحكم على التجربة مرتبطًا بما ستكشف عنه النسخة النهائية من الفيلم، لا بمجرد قوة الأسماء المشاركة فيه أو جاذبية الرواية الأصلية.
دي كابريو.. تنوع الاختيارات أم تكرار المنطقة الآمنة؟
تكشف المقارنة بين الفيلمين عن اتساع المساحات التي يتحرك فيها دي كابريو، لكنها تطرح أيضًا سؤالًا نقديًا مهمًا: هل يكفي الانتقال من عالم إلى آخر لتأكيد التنوع الفني، أم أن القيمة الحقيقية تكمن في طبيعة الشخصية ومدى اختلاف التحدي الذي تفرضه على الممثل؟
في «One Battle After Another»، يواجه دي كابريو شخصية تحاول النجاة من تاريخ سياسي مضطرب، ويستخدم الأداء الكوميدي والتوتر الجسدي للكشف عن رجل لم يتحرر تمامًا من ماضيه. أما في «What Happens at Night»، فتضعه الحكاية أمام صراع أكثر خصوصية، يرتبط بالمرض والخوف والعلاقة الزوجية والرغبة في بناء مستقبل جديد.
وبين الشخصيتين، تتغير طبيعة الصراع من مواجهة خارجية تتداخل فيها السياسة والعنف والمطاردة، إلى مواجهة داخلية تتشكل ملامحها من الشك والقلق والغموض. وهذا الاختلاف يمنح المقارنة قيمتها، لكنه لا يحسم مسبقًا أي التجربتين ستكون أكثر نضجًا أو تأثيرًا؛ فذلك يتوقف على جودة الكتابة، ومدى تعقيد الشخصيات، وقدرة الممثل على تقديم ما يتجاوز الأدوات التي اعتاد الجمهور رؤيتها منه.
كما أن التعاون المتكرر مع مخرج واحد، مهما بلغت أهميته، قد يتحول إلى مصدر قوة أو إلى منطقة مريحة يعيد فيها الطرفان إنتاج نجاحات سابقة. والاختبار الحقيقي لشراكة سكورسيزي ودي كابريو هو قدرتها على تجديد نفسها، لا الاكتفاء باستدعاء الثقة التي صنعتها أفلامهما السابقة.
ومن هنا، يبدو «What Happens at Night» مشروعًا يستحق المتابعة بسبب اختلاف مادته عن عدد من تجاربهما السابقة، لكن الحكم عليه ينبغي أن ينتظر اكتماله وعرضه. أما «One Battle After Another»، فيتيح بالفعل مناقشة الطريقة التي يمكن بها للفيلم الجماهيري أن يواجه تناقضات الواقع السياسي من دون التخلي عن الكوميديا والإثارة.
من اضطراب العالم إلى اضطراب الإنسان
على اختلافهما، يلتقي الفيلمان عند فكرة أوسع تتعلق بعلاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه. ففي فيلم أندرسون، تتسرب السياسة إلى الأسرة والحياة الخاصة، ويصبح الماضي الثوري عبئًا لا يستطيع البطل التخلص منه بسهولة. وفي فيلم سكورسيزي الجديد، تدخل الظروف الصحية والمخاوف المتعلقة بالمستقبل إلى قلب العلاقة الزوجية، فتضع الزوجين أمام أسئلة لم يكن في مقدورهما تجاهلها.
لا يعني ذلك أن العملين يقدمان الرسالة نفسها، أو أن الغموض النفسي امتداد مباشر للنقد السياسي؛ فلكل منهما لغته وأدواته ومساره الدرامي. لكنهما يلتقيان في رفض الفصل التام بين الأحداث الكبرى والتجارب الشخصية، وبين ما يحدث في المجال العام وما يتركه من آثار في حياة الأفراد.
وهذه إحدى المساحات التي تمنح السينما قدرتها على التأثير؛ فهي تستطيع أن تقترب من القضايا السياسية من خلال مصائر الشخصيات، وأن تطرح أسئلة وجودية من خلال رحلة تبدو بسيطة في ظاهرها. وقد تكون الكوميديا السوداء وسيلة لكشف عبث السلطة، فيما يصبح المكان المغلق والغموض وسيلتين لاستكشاف الخوف والشك، لكن نجاح كل منهما يظل رهينًا بمدى ارتباط الأسلوب بجوهر الحكاية.
في المحصلة، يقدم «One Battle After Another» نموذجًا لفيلم يستخدم السخرية والحركة لمساءلة تناقضات المجتمع الأميركي، بينما يمثل «What Happens at Night» اختبارًا جديدًا لشراكة سكورسيزي ودي كابريو في عالم نفسي أكثر غموضًا وخصوصية. وبين العملين، تتضح قيمة التنوع السينمائي حين لا يكون مجرد تبديل للأنواع، وإنما محاولة لاكتشاف جوانب جديدة من الإنسان، سواء كان محاصرًا بصراعات العالم من حوله أو بمخاوفه التي لا يستطيع الإفلات منها.
فالسياسة قد تصنع جنون العالم، لكن أثرها النهائي يظهر في حياة البشر، كما أن الأزمات الشخصية قد تبدو بعيدة عن الشأن العام، لكنها تكشف بدورها هشاشة الإنسان أمام ما لا يستطيع التحكم فيه. وبين هذين المستويين، تواصل السينما طرح أسئلتها، تاركة للمشاهد مساحة للتفكير في عالم لا تنتهي معاركه، وفي نفوس لا تكشف كل أسرارها بسهولة.
- أوسكار 2027 .. من سيفوز؟ هذا ما نتوقع حدوثه
- فيلم Heart of the Beast.. براد بيت وكلبه في مواجهة برية ألاسكا
- وحيد حامد - الكاتب والمبدع والأستاذ الذي أثرى السينما المصرية
- فيلم الغول - كيف صنع وحيد حامد شخصيات خالدة في أعماله؟
- فيلم طائر الليل الحزين - أولى إبداعات وحيد حامد السينمائية
- فيلم الإرهاب والكباب - نظرة شاملة
- الإنسان يعيش مرة واحدة - تحفة سينمائية تستحق المشاهدة
- محمد فوزي.. 60 عامًا على رحيل فنان جمع بين سحر اللحن وجرأة التجربة
- إحسان عبد القدوس - أكثر الأدباء تأثيرًا في الوعي الجمعي المصري
- محمد أبو الخير ستو | الأعمال والجوائز والتغطيات الصحفية
