التعددية الإبداعية.. حين تتسع الحياة لأكثر من شغف

التعددية الإبداعية - ليس كل إنسان قادرًا على اختزال شغفه في مهنة واحدة، ولا كل عقل يجد الاكتفاء في مجال معرفي واحد، فهناك أشخاص تجذبهم الرواية بقدر ما يجذبهم التاريخ، وتستهويهم الفنون مثلما تستثير فضولهم العلوم، ويجدون في الكتابة الصحفية متعة لا تقل عن متعة التأليف الأدبي أو البحث الفكري. 


التعددية الإبداعية.. حين تتسع الحياة لأكثر من شغف
التعددية الإبداعية.. حين تتسع الحياة لأكثر من شغف


هؤلاء الناس لا ينتقلون بالضرورة من مجال إلى آخر هربًا من الصعوبة أو عجزًا عن الاستقرار؛ فقد يكون تعدد اهتماماتهم تعبيرًا أصيلًا عن الطريقة التي يرون بها العالم، وعن حاجتهم إلى استكشافه من نوافذ مختلفة.

هؤلاء هم أصحاب الاهتمامات المتعددة، الذين تتسع حياتهم لأكثر من مسار، ولا يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين جوانب متباينة من فضولهم، ما داموا قادرين على منح كل جانب ما يستحقه من وقت وجهد.

لكن هذه الظاهرة تطرح أسئلة شديدة الصعوبة ربما تتجاوز حدود هذه المهن والهوايات: هل يستطيع الإنسان أن يجمع بين التعدد والعمق؟ وهل يمثل تنوع الاهتمامات ميزة في تكوين الشخصية، أم أنه قد يتحول إلى مصدر للتشتت؟ وكيف تعاملت شخصيات بارزة في التاريخ الإنساني مع رغبتها في المعرفة والإبداع عبر مجالات مختلفة؟

إن الإجابة لا تكمن في تمجيد التعدد على إطلاقه، ولا في الدعوة إلى التخصص بوصفه الطريق الوحيد للنجاح، بل في فهم طبيعة العلاقة بين الفضول والإتقان، وبين حرية الاختيار وحدود الوقت، وبين ما يمنح الإنسان السعادة وما يستطيع أن يقدمه للعالم.

 أولًا: هل خُلق الإنسان ليكون شيئًا واحدًا؟

يميل المجتمع إلى تصنيف الأفراد وفق المهنة أو التخصص: هذا طبيب، وذاك مهندس، وهذا روائي، وآخر صحفي أو باحث... وتساعد هذه التصنيفات على تنظيم الحياة المهنية، لكنها لا تعكس بالضرورة كامل تكوين الإنسان، فالمهنة التي يمارسها المرء قد تكون جانبًا من هويته، لكنها ليست بالضرورة هويته كلها. 

وقد يكتشف الإنسان، مع مرور السنوات، أن لديه استعدادات واهتمامات لا تجد طريقها إلى التعبير داخل مهنته الأساسية، أو أن مجالًا جديدًا يفتح أمامه أسئلة لم يكن تخصصه الأول قادرًا على الإجابة عنها.

من هنا تظهر التعددية الإبداعية، وهي ميل إلى الانخراط في مجالات متعددة، قد تكون متقاربة أو متباعدة، مع الرغبة في التعلم والممارسة والإنتاج فيها.

وقد تتخذ هذه التعددية صورًا مختلفة؛ فهناك من يجمع بين الصحافة والأدب، ومن يجمع بين التاريخ والفلسفة، ومن يوازن بين الفن والعلوم، وهناك من يمارس عدة أنشطة إبداعية داخل المجال الواحد.

ولا يعني ذلك أن جميع أصحاب الاهتمامات المتعددة يمتلكون القدرات نفسها، أو أنهم متساوون في مستوى الإنجاز بكل مجال، فحب مجال ما يختلف عن امتلاك أدواته، والقدرة على البدء فيه تختلف عن بلوغ درجة متقدمة من الإتقان.

المهم أن التعدد لا يمثل في ذاته دليلًا على التشتت، كما أن التخصص لا يمثل في ذاته دليلًا على العمق، فكل منهما يمكن أن يكون اختيارًا ناجحًا أو غير موفق، بحسب طبيعة الشخص وأهدافه والطريقة التي يدير بها حياته.

ثانيًا: ماذا يقول علم النفس عن تعدد الاهتمامات؟

يُستخدم مصطلح تعدد الإمكانات (Multipotentiality) لوصف الأشخاص الذين يمتلكون اهتمامات أو استعدادات في مجالات مختلفة، ويجدون أكثر من مسار يستحق الاستكشاف، ويُستخدم المصطلح في النقاشات التربوية والمهنية والإبداعية، لكنه ليس تشخيصًا نفسيًا مستقلًا.

وهناك مفهوم آخر أكثر رسوخًا في أبحاث الشخصية، هو الانفتاح على الخبرة، أحد الأبعاد الخمسة الكبرى للشخصية. ويرتبط هذا البعد، بدرجات متفاوتة، بالخيال والفضول الفكري والاستعداد لاستكشاف الأفكار والتجارب الجديدة.

قد يفسر هذا جزئيًا انجذاب بعض الأشخاص إلى مجالات متباينة؛ فالعقل الذي يستمتع باكتشاف الأفكار الجديدة قد يجد متعة في الأدب والتاريخ والفنون والعلوم، دون أن يشعر بأن عليه إغلاق باب حتى يفتح آخر.

كذلك تفسر الدافعية الداخلية جانبًا من هذه الظاهرة، فعندما يمارس الإنسان نشاطًا لأنه يستمتع به أو يجد فيه معنى، لا تصبح المكافأة الخارجية، كالجائزة أو المكانة الاجتماعية، شرطًا أساسيًا لاستمراره.

وقد يجد الباحث متعته في اكتشاف معلومة، والروائي في بناء شخصية، والموسيقي في تأليف لحن، حتى قبل أن يرى عمله النور أو يحظى بتقدير الآخرين.

ومع ذلك، ينبغي تجنب الاستنتاج السهل بأن كل شخص متعدد الاهتمامات يمتلك شخصية استثنائية، أو أن تعدد اهتماماته يضمن له الإبداع، فالدافع والفضول يفتحان الباب، لكن المعرفة والتدريب والمثابرة والمراجعة هي التي تساعد على تحويل الاهتمام إلى عمل متقن.

ثالثًا: حين تتعدد المواهب في شخص واحد.. نماذج من التاريخ

لا تقتصر التعددية على عصرنا الحديث، ولم تنشأ مع اتساع فرص التعليم أو ظهور المهن الجديدة، فقد عرف التاريخ شخصيات جمعت بين مجالات متنوعة، وكانت بعض أعظم إنجازاتها ثمرة التفاعل بين هذه المجالات.

ليوناردو دا فينشي

يُعد ليوناردو دا فينشي (1452–1519) من أشهر الأمثلة على تعدد المواهب، إذ عُرف رسامًا ونحاتًا ومهندسًا ومخترعًا، واهتم بالتشريح والهندسة المعمارية والميكانيكا ودراسة الطبيعة، ولم تكن اهتماماته مجرد قائمة من الأنشطة المنفصلة؛ فقد استخدم الرسم أداةً لتسجيل ملاحظاته وفهم الظواهر التي يدرسها.

في دراساته التشريحية، مثلًا، لم يكن الجسد الإنساني مجرد موضوع فني، بل بنية تستحق الفحص والتشريح والرسم الدقيق، وفي اهتمامه بالطيران وحركة الماء والآلات، امتزج الخيال الهندسي بالملاحظة والتجربة.

تكشف تجربته عن جانب مهم من التعددية: قد لا يكون الانتقال بين المجالات هروبًا من مجال إلى آخر، وإنما وسيلة لرؤية الشيء نفسه من زوايا مختلفة.

ومع ذلك، فإن صورة ليوناردو بوصفه عبقريًا شاملًا قد تحجب حقيقة أخرى؛ فعدد من مشروعاته ظل غير مكتمل، وكثير من أفكاره بقي في دفاتر ورسومات لم تتحول إلى اختراعات عملية في حياته.

وهذه نقطة تستحق الانتباه: 

اتساع الخيال والاهتمامات لا يضمن اكتمال كل مشروع، حتى لدى أكثر الشخصيات إبداعًا.

غوته

لم يكن يوهان فون غوته (1749–1832) شاعرًا وروائيًا ومسرحيًا فحسب؛ بل انشغل أيضًا بدراسة النباتات والجيولوجيا والتشريح والألوان، وكتب أعمالًا علمية، من بينها كتابه «نظرية الألوان» الصادر عام 1810، وتوثق جامعة يينا جانبًا واسعًا من مسيرته العلمية، بما يشمل دراساته النباتية والجيولوجية وأبحاثه في التحول العضوي.

ما يلفت النظر في تجربته أن اهتمامه بالطبيعة لم يكن منفصلًا تمامًا عن رؤيته الأدبية، فقد كان يسعى إلى فهم الظواهر من خلال الملاحظة المباشرة والنظر إلى العلاقات بين أجزائها، وهو اتجاه يتضح في منهجه في دراسة الطبيعة.

وتعلمنا تجربته أن الأدب والعلم ليسا نقيضين بالضرورة، فالأدب يستطيع أن يوسع الخيال، والعلم يستطيع أن يدرب العقل على الملاحظة، وقد يجتمع في الإنسان شغف التعبير وشغف التفسير، لكن الجمع بين المجالين لا يعني أن المنهج الأدبي يغني عن المنهج العلمي؛ فلكل منهما معاييره وطرائقه في بناء المعرفة والتحقق منها.

عباس محمود العقاد

في الثقافة العربية الحديثة، يقدم عباس محمود العقاد (1889–1964) نموذجًا واضحًا للكاتب الذي تجاوز مجالًا واحدًا، فقد جمع بين الصحافة والشعر والنقد والأدب والفكر والتأليف في موضوعات اجتماعية وسياسية وفكرية متعددة. 

وتشير الدراسات التي تناولت أعماله إلى اتساع إنتاجه ليشمل اللغة والأدب والنقد والشعر والسير والتفكير الاجتماعي والسياسة وغيرها.

لم تكن موسوعية العقاد مجرد كثرة في الموضوعات؛ فقد خاض معارك فكرية وأدبية، وشارك في تجديد الشعر العربي من خلال مدرسة الديوان، وكتب في قضايا تجاوزت حدود الإبداع الأدبي بالمعنى الضيق.

وتقدم تجربته درسًا في أهمية القراءة الذاتية وتراكم المعرفة، فقد أسهمت المطالعة المستمرة في توسيع آفاقه، وأتاحت له الانتقال بين موضوعات متعددة، مع بناء مواقف فكرية وأدبية خاصة به.

غير أن تجربة العقاد تكشف أيضًا عن وجه آخر للتعددية: الانتقال بين المجالات يقتضي استعدادًا لمواجهة الخلاف والنقد، فكلما اتسعت دائرة الموضوعات التي يكتب فيها الإنسان، اتسعت معها مساحة الاختلاف حول أفكاره ومناهجه.

نجيب محفوظ

تختلف تجربة نجيب محفوظ (1911–2006) عن تجربة ليوناردو أو غوته؛ فهي لا تقوم أساسًا على الجمع بين العلوم والفنون، وإنما على التداخل بين الأدب والعمل المهني والصحافة والاهتمام بالشأن العام.

عمل محفوظ في الوظائف الحكومية سنوات طويلة، واشتغل في مؤسسات ثقافية مرتبطة بالسينما، كما كتب مقالات وقصصًا وروايات امتدت من إعادة تخيل التاريخ المصري القديم إلى تصوير الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر الحديثة. وتذكر سيرته المنشورة لدى مؤسسة نوبل أنه ألّف عشرات الروايات ومئات القصص والمقالات.

وتكمن أهمية تجربته هنا في أنها تطرح مسألة مختلفة: ليس مطلوبًا أن يوزع الإنسان جهده بالتساوي بين مجالات متباعدة حتى يكون متعددًا، فقد يمارس عملًا مهنيًا، ويكتب في أكثر من شكل أدبي، ويظل مشروعه الإبداعي الأساسي واضحًا ومتماسكًا.

وهذا يعني أن التعددية لا تقتصر على الشخص الذي يمتلك خمس مهن، بل تشمل أيضًا من يجمع بين أدوار مهنية وفكرية وإبداعية تتكامل في حياته.

رابعًا: هل تتكامل المجالات فعلًا؟

قد يبدو الجمع بين الصحافة والتاريخ والرواية والنقد والسيناريو انتقالًا بين عوالم مختلفة، لكن ثمة نقاط التقاء يمكن أن تجعل التجارب أكثر ثراءً، فالصحفي يتعامل مع الوقائع والمصادر، والمؤرخ يبحث في الأدلة والسياقات، والروائي يستكشف الشخصيات والدوافع، والناقد يحلل بنية النص ودلالاته، وكاتب السيناريو يحول الفكرة إلى فعل وصورة وحوار، فكل مجال يطرح سؤالًا مختلفًا على العالم:

  • الصحافة تسأل: ماذا حدث؟ وما المعلومات التي يمكن إثباتها؟
  • التاريخ يسأل: كيف حدث ذلك؟ وما الظروف التي تفسره؟
  • الأدب يسأل: كيف عاش الإنسان التجربة؟ وما الذي جرى في داخله؟
  • النقد يسأل: كيف صُنع النص؟ وما دلالاته وحدود قراءته؟
  • السيناريو يسأل: كيف يمكن تحويل الفكرة إلى تجربة درامية محسوسة؟

هذه الأسئلة ليست حدودًا مغلقة، لكنها توضح اختلاف الوظائف، وقد يستفيد الكاتب من خبرته الصحفية في ضبط التفاصيل، ومن قراءاته التاريخية في بناء الخلفيات، ومن أدوات النقد في مراجعة النص، ومن السيناريو في تطوير المشاهد والحوار.

غير أن هذا التكامل ليس آليًا، فالخبر الصحفي ليس قصة لمجرد أنه يتضمن أحداثًا، والرواية ليست بحثًا تاريخيًا لمجرد أنها تتناول الماضي، والنقد ليس انطباعًا شخصيًا لمجرد أنه يتناول الأدب.

التعددية المثمرة هي التي تسمح للمعرفة بالانتقال بين المجالات، مع الحفاظ على خصوصية كل مجال ومعاييره.

خامسًا: الوجه الآخر للتعددية.. التشتت وضيق الوقت

من السهل الاحتفاء بالأشخاص متعددي الاهتمامات، لكن من غير الدقيق تصوير التعددية باعتبارها ميزة خالصة لا تحمل أي صعوبات، تكمن أولى هذه الصعوبات أن الوقت مهما طال فهو محدود، فتعلم أساسيات مجال ما قد يكون ممتعًا وسريعًا نسبيًا، لكن بلوغ مستوى متقدم فيه يحتاج إلى سنوات من التدريب والممارسة والتصحيح.

وثانيها أن تعدد المشروعات قد يؤدي إلى تراجع التركيز، فكل مشروع يحتاج إلى وقت للتفكير والتخطيط والمراجعة، وقد يؤدي الانتقال المستمر بينها إلى ترك أعمال كثيرة في منتصف الطريق.

وثالثها أن المجتمع والمؤسسات المهنية قد لا يسهلان هذا النوع من المسارات. فبعض أنظمة التعليم والتوظيف مبنية على التخصص الدقيق، وقد يصعب على صاحب الاهتمامات المتعددة شرح خبراته أو العثور على مسار مهني يجمعها.

ورابعها أن الرغبة في تجربة كل شيء قد تتحول إلى ضغط داخلي، فبدلًا من أن تكون المجالات المتعددة مصدرًا للسعادة، يشعر الإنسان بأنه مقصر في كل مجال لم يمنحه ما يكفي من الوقت.

ولذلك، فإن الحل ليس بالضرورة التخلي عن الاهتمامات المتعددة، بل تعلم إدارتها، بحيث تكون هناك مهنة أساسية ومشروعات إبداعية موازية، أو تتغير الأولويات على مراحل الحياة، أو يجري تخصيص مواسم زمنية لكل مشروع.

لا توجد قاعدة تلزم الإنسان بأن ينجز في كل المجالات بالمعدل نفسه أو في الوقت نفسه.

سادسًا: هل يجب أن يتحول كل شغف إلى إنجاز؟

من أبرز الأخطاء التي قد يقع فيها أصحاب الاهتمامات المتعددة الاعتقاد بأن قيمة كل اهتمام تقاس بما ينتج عنه من كتب أو جوائز أو شهرة أو عائد مادي.

فقد يقرأ الإنسان في الفلسفة دون أن يصبح فيلسوفًا، ويدرس الرسم دون أن يعرض لوحاته، ويكتب نصوصًا لا يرغب في نشرها، ويجرب مجالًا جديدًا لمجرد الاستمتاع باكتشافه.

ليست كل ممارسة مطالبة بأن تتحول إلى مهنة، وليس كل شغف مطالبًا بأن يقدم دليلًا على جدواه أمام الآخرين.

تتناول نظرية التحديد الذاتي في علم النفس أهمية الدافعية الداخلية، أي ممارسة النشاط لما يمنحه من اهتمام ومتعة ومعنى، إلى جانب أثر الشعور بالاستقلالية والكفاءة والارتباط بالآخرين في دعم الدافعية، لكن هذا لا يعني أن كل نشاط ممتع سيؤدي إلى إتقان أو إنجاز استثنائي؛ فالاستمتاع والتفوق نتيجتان مختلفتان.

ومن هنا، يمكن أن تكون التعددية طريقة للعيش، وليس مجرد استراتيجية للنجاح، فهناك من يجد سعادته في تعميق تخصص واحد، وهناك من يجدها في استكشاف عوالم متعددة، ولا ينبغي إخضاع أحد النمطين للآخر، ما دام الإنسان واعيًا باختياراته ومسؤولًا عن تبعاتها.

سابعًا: كيف يصنع أصحاب الاهتمامات المتعددة مسارًا متوازنًا؟

لا يحتاج الأمر إلى وصفة موحدة، لكن ثمة مبادئ عملية تساعد على تحويل التعدد إلى تجربة مستدامة.

أولًا: التمييز بين الشغف والالتزام: قد يحب المرء عشرة مجالات، لكن ليس عليه أن يحولها جميعًا إلى مشروعات طويلة الأمد، يمكنه أن يحتفظ ببعضها في دائرة التعلم والاستكشاف، وأن يخصص جهده الأكبر لعدد أقل من المشروعات في كل مرحلة.

ثانيًا: احترام قواعد كل مجال: مثلاً الكتابة التاريخية تحتاج إلى التوثيق، والصحافة إلى التحقق، والنقد إلى أدوات تحليلية، والرواية إلى البناء الفني، والسيناريو إلى فهم الصورة والفعل الدرامي.. أي أن الانتقال بين المجالات لا يلغي اختلاف معاييرها.

ثالثًا: قبول التقدم غير المتساوي: ققد يحقق الإنسان تقدمًا كبيرًا في مجال خلال عام، بينما يكتفي في مجال آخر بالقراءة والتدريب. ولا يعني ذلك فشلًا؛ فالمسارات الطويلة لا تتقدم دائمًا بالسرعة نفسها.

رابعًا: حماية مساحة اللعب والاكتشاف: ليس من الضروري أن يكون لكل تجربة هدف إنتاجي واضح. فالتجريب قد يكشف اهتمامات جديدة، ويمنح العقل راحة من ضغوط الأداء والتقييم.

خامسًا: مراجعة الأولويات من وقت إلى آخر: الاهتمامات ليست ثابتة بالضرورة؛ فقد يتراجع شغف، ويظهر آخر، وقد يكتشف الإنسان أن مشروعًا كان يظنه أساسيًا لم يعد يمنحه المعنى نفسه، فتغيير الأولويات ليس خيانة للماضي، بل قد يكون استجابة طبيعية للنمو والتجربة.

ثامنًا: هل التعددية تعني أن الإنسان لا يعرف ماذا يريد؟

ليس بالضرورة، فهناك فرق بين شخص ينتقل بين المجالات لأنه لا يستطيع الاستمرار في أي منها، وشخص يتنقل بينها بوعي لأنه يجد في كل مجال قيمة حقيقية.

في الحالة الأولى، قد تكون المشكلة في صعوبة الالتزام أو الخوف من الإخفاق أو الانجذاب إلى البدايات على حساب إكمال المشروعات، وفي الحالة الثانية، قد يكون تعدد الاهتمامات خيارًا مستقرًا ومصدرًا للرضا، حتى إن تطلب تنظيمًا دقيقًا للوقت.

ولا يمكن التمييز بين الحالتين بمجرد النظر إلى عدد الاهتمامات، إذ ينبغي النظر إلى نمط الممارسة: هل توجد مشروعات تكتمل؟ هل يتطور مستوى المهارة؟ هل يسبب التعدد ضيقًا مستمرًا؟ وهل يستطيع الإنسان اختيار ما يمنحه الأولوية عند تزاحم الالتزامات؟

كذلك لا يصح اعتبار كل تنوع في الاهتمامات علامة على حالة نفسية أو نمط عصبي بعينه، فالتعددية ليست تشخيصًا، ولا تكفي وحدها للاستدلال على اضطراب أو موهبة استثنائية.

والأدق أن يُنظر إليها بوصفها وصفًا محتملًا لطريقة توزيع الفضول والجهد بين المجالات، مع اختلاف الأشخاص في دوافعهم وقدراتهم ونتائجهم.

ختامًا؛ ربما اعتدنا أن نقيس النجاح بمدى التخصص في مجال محدد، وأن نرى الانتقال بين مجالات متعددة علامة على عدم الاستقرار، لكن تجارب التاريخ الإنساني تكشف صورًا مختلفة من الحياة الإبداعية، فكما أوضحنا على سبيل المثال لا الحصر، كيف جمع ليوناردو دا فينشي الفن بالملاحظة العلمية والهندسة، وغوته الذي لم يفصل الأدب عن اهتمامه بالطبيعة، والعقاد الذي تنقل بين الصحافة والشعر والنقد والفكر، ونجيب محفوظ الذي جمع بين العمل المهني والإنتاج الأدبي الواسع... وغيرهم كُثر، وإذ لم تكن هذه التجارب متطابقة، ولم تحقق نتائجها بالطريقة نفسها، إلا أنها تذكرنا بأن الإنسان لا يُختزل دائمًا في مهنة واحدة، وأن اتساع الاهتمامات قد يكون جزءًا من تكوينه ومن الطريقة التي يبحث بها عن المعنى.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه الشخصيات إلى حجة على أن التعدد أفضل من التخصص، أو أن كل من يجمع بين مجالات متعددة سيصبح موسوعيًا أو مبدعًا كبيرًا، فالأمثلة الاستثنائية تلهم، لكنها لا تمثل بالضرورة القاعدة العامة.

الحقيقة الأهم أن هناك أكثر من طريقة لحياة ذات معنى، قد يجدها إنسان في التعمق في علم واحد حتى يبلغ فيه مكانة رفيعة، وقد يجدها آخر في الجمع بين مجالات متعددة، وقد يختار ثالث مسارًا مهنيًا مستقرًا ويحتفظ باهتمامات لا يسعى إلى تحويلها إلى إنجازات عامة.

ليس مطلوبًا أن تتسع الحياة لكل شيء، لكن ليس من الضروري أيضًا أن تُختزل في شيء واحد.

فالنضج لا يعني دائمًا أن نغلق الأبواب التي نحبها، بل أن نعرف أي الأبواب نريد أن نعبرها، وكيف نمنح كل تجربة حقها، دون أن نفقد متعة الاكتشاف أو ننسى أن الغاية من المعرفة والإبداع ليست الاعتراف وحده، وإنما ما يضيفانه إلى حياة الإنسان.

مراجع:

اقرأ أيضاً:

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال