أسبوع أفلام «آفاق».. ثمانية أيام من السينما والحوار

يشهد المشهد الثقافي العربي خلال خريف 2026 سلسلة من الفعاليات والمبادرات التي تجمع بين دعم الإنتاج الفني، وتطوير قدرات المبدعين، وتعزيز التعاون الثقافي بين البلدان العربية، وهو ما يبرز بصورة واضحة في أحدث أنشطة الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» (AFAC)، الذي واصل خلال الأسابيع الأخيرة تنظيم البرامج السينمائية والتدريبية، ودعم الفنانين والمؤسسات الثقافية، وفتح مساحات للحوار حول مستقبل الصناعات الإبداعية في المنطقة.


آفاق
آفاق


وتكشف أحدث أخبار مؤسسة آفاق عن نشاط واسع امتد من السينما والكتابة والفنون البصرية إلى التصوير الفوتوغرافي والموسيقى، مرورًا ببرامج بناء القدرات والتعاون الإقليمي، مع حضور لافت لمشروعات من مصر وسوريا واليمن ولبنان ودول شمال إفريقيا.

ما هو الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق»؟

تأسس الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2007 بمبادرة من ناشطين ثقافيين عرب، بوصفه مؤسسة مستقلة لدعم الفنانين والكتاب والباحثين والمثقفين والمؤسسات العاملة في المجال الثقافي والفني في المنطقة العربية.

ومنذ انطلاقه، توسعت برامج الصندوق لتشمل السينما، والأفلام الوثائقية، والتصوير الفوتوغرافي الوثائقي، والفنون البصرية والأدائية، والموسيقى، والكتابة الإبداعية والنقدية، إلى جانب البحوث والتدريب والفعاليات الإقليمية. ويتخذ الصندوق من بيروت مقرًا له، بينما تمتد مشروعاته وشراكاته إلى أنحاء المنطقة العربية وخارجها.

ولا يقتصر دور «آفاق» على تقديم المنح المالية، إذ يوضح الصندوق أن عمله يشمل أيضًا التدريب والإرشاد، وبناء المعرفة وتبادلها، وتوسيع قاعدة الداعمين للفنون، وربط الإنتاج الفني والثقافي بالجمهور.

وبحسب البيانات المنشورة على موقعه، دعم الصندوق منذ تأسيسه آلاف المشروعات والمبادرات الفنية والثقافية في المنطقة العربية والمهجر، فيما تشير بيانات المؤسسة الحالية إلى أكثر من 43 مليون دولار من المنح المقدمة للمشروعات على مدى سنوات عملها.

أسبوع أفلام «آفاق».. ثمانية أيام من السينما والحوار

في الفترة من 6 إلى 13 سبتمبر 2026، نظم الصندوق العربي للثقافة والفنون أسبوع «آفاق» السينمائي في سينما متروبوليس في بيروت، في فعالية جمعت صناع الأفلام والجمهور والباحثين والممارسين الثقافيين حول مجموعة من الأعمال السينمائية والنقاشات المرتبطة بصناعة الفيلم في المنطقة العربية.

وحمل البرنامج عنوانًا محوريًا يرتبط بفكرة «استكشاف ما وراء النظرة»، وقدم تسعة أفلام من السودان وسوريا وفلسطين ومصر وتونس والجزائر والمغرب، إلى جانب برنامج عام للنقاش والتفكير حول الصورة والذاكرة واقتصاديات الصناعة السينمائية.

ولم يكن الأسبوع مجرد سلسلة عروض سينمائية، إذ تضمن جلسات حوارية عقب عدد من العروض، ونقاشات معمقة حول واقع السينما المستقلة في المنطقة، إضافة إلى جلسات تناولت البنية التحتية للسينما، والاقتصاد السياسي لصناعة الفيلم، وحق الصور في العودة، إلى جانب جلسات مخصصة للسينما السورية.

وشمل البرنامج أفلامًا مثل «Stranger than Fiction» للمخرجة نور عويدة، و«Agora» لعلاء الدين سليم، و«Birdland» لليلى كيلي، و«Les Tempêtes» لدانية ريموند، و«Khartoum» لعدد من المخرجين، و«Perfumed with Mint» لمحمد حمدي، و«Deserts» لفوزي بنسعيدي، و«Republic of Silence» لديانا الجيرودي، و«The Settlement» لمحمد رشاد.

كما تضمن البرنامج العام لقاءات وقراءات ونقاشات حول ما يبقى من الذاكرة والصورة والثقافة في ظل الحروب والكوارث والتحولات السياسية والاجتماعية.

السينما السورية في قلب النقاش

خصص أسبوع «آفاق» ثلاثة أيام لجلسات تناولت السينما السورية، مع التركيز على قضايا الذاكرة والأرشيف والسرديات، ثم البنى المؤسسية والمبادرات المستقلة، إلى جانب نقاشات تتصل بالصورة ودورها في توثيق التجربة السورية.

ويعكس تخصيص مساحة مستقلة للسينما السورية توجهًا لدى «آفاق» إلى النظر إلى السينما ليس فقط بوصفها منتجًا فنيًا، وإنما باعتبارها وسيلة لحفظ الذاكرة وإعادة قراءة التجارب الاجتماعية والسياسية.

«آفاق» وأسبوع الفن السوري

امتد الحضور الثقافي للصندوق إلى سوريا، حيث شارك فريق من «آفاق» في فعاليات أسبوع الفن السوري، ضمن جهود التواصل مع الفنانين والعاملين في المجال الثقافي المحلي.

وشاركت سوليل غربية، مديرة برامج الموسيقى والأفلام في «آفاق»، في حوار بعنوان «بين الإطار والتمويل»، تناول السينما باعتبارها فنًا وصناعة في الوقت نفسه، وناقش متطلبات بناء منظومة محلية قادرة على دعم صناعة الأفلام وتطويرها.

كما أتاحت الزيارة لقاءات بين فريق الصندوق وعدد من الفنانين والممارسين الثقافيين السوريين العاملين في مجالات فنية مختلفة.

وتضم قيادة «آفاق» التنفيذية ريما مسمار، المديرة التنفيذية للصندوق، التي ارتبط عملها خلال السنوات الماضية بتطوير برامج المؤسسة وشراكاتها في المنطقة.

عامان من «الورشة الثقافية في اليمن»

من بين الملفات اللافتة أيضًا برنامج «الورشة الثقافية في اليمن»، الذي صممته ونفذته «آفاق» بهدف مساندة المؤسسات والمنظمات الثقافية اليمنية وتطوير قدراتها المؤسسية وبرامجها.

وكان البرنامج قد جمع في ورشة حضورية بمدينة عدن في فبراير 2025 ممثلين عن 16 مؤسسة يمنية، في إطار برنامج مدته عامان، بدعم من منظمة اليونسكو وتمويل من الاتحاد الأوروبي، ضمن مشروع «توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن».

وتناول البرنامج قضايا من بينها التطوير المؤسسي، والتخطيط المالي، وإدارة المشروعات، والاستدامة، وبناء العلاقات مع الجمهور والشركاء، إلى جانب التدريب والإرشاد وتبادل الخبرات.

وجاءت أهمية البرنامج في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الثقافي اليمني نتيجة سنوات الصراع والاضطرابات الاقتصادية والسياسية، وهي تحديات انعكست على البنية المؤسسية للمنظمات الثقافية وعلى قدرتها على الاستمرار.

وبحسب «آفاق»، ضمت المؤسسات المشاركة مبادرات من مناطق مختلفة في اليمن، من عدن إلى سقطرى وتعز وحضرموت، بما أتاح تمثيلًا متنوعًا للمشهد الثقافي اليمني.

برنامج شمال إفريقيا الثقافي.. من بيروت إلى مصر والجزائر

يواصل برنامج شمال إفريقيا الثقافي NACP دوره في دعم المؤسسات والمشروعات الثقافية في دول شمال إفريقيا.

والبرنامج ليس جديدًا على «آفاق»، إذ بدأ دورته الأولى عام 2019 بدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، واستهدف خمس دول هي مصر والجزائر وليبيا والمغرب وتونس.

أما الدورة الثانية، التي تمتد بين عامي 2024 و2027، فتضم مسارين رئيسيين: «صندوق الفرص الثقافية الوطنية»، و«صندوق الإبداع التنافسي الإقليمي»، لدعم المؤسسات والمشروعات التعاونية في دول المنطقة وشركائها في العالمين العربي والإفريقي.

ويولي البرنامج أهمية خاصة لبناء المؤسسات الثقافية المستقلة، وتطوير قدراتها، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتبادل الخبرات والمعارف.

وبحسب «آفاق»، استفاد من الدورة الأولى للبرنامج 54 منظمة ثقافية وأكثر من 2500 ممارس ومحترف من خلال المنح والتدريب والفعاليات واللقاءات، بينما شملت الدورة الثانية عشرات المؤسسات والشراكات على مدى ثلاث سنوات.

وتأتي الزيارات الميدانية للمشروعات ضمن هذا النهج، إذ تتيح للفريق متابعة تقدم المشروعات على الأرض وفهم التحديات التي تواجه المشاركين، بدل الاكتفاء بتقييم المشروعات من خلال الملفات والتقارير.

35 صانعة أفلام في برنامج «نساء في السينما 3»

وفي مجال تطوير المواهب السينمائية، أعلن «آفاق» و«نتفليكس» في 6 أكتوبر 2026 أسماء 35 مبدعة عربية صاعدة للمشاركة في الدورة الثالثة من برنامج «نساء في السينما: التدريب من خلال الممارسة».

وتنتمي المشاركات إلى الكويت ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ويعملن في تخصصات متعددة، تشمل الإخراج والإنتاج والتصوير السينمائي والمونتاج وتصميم الصوت.

ويعتمد البرنامج على مزيج من ورش التدريب والإرشاد والإقامة الفنية، بما يستهدف تطوير المهارات العملية للمشاركات ومساعدتهن على بناء خبرات أكثر ارتباطًا بواقع صناعة الأفلام.

وتأتي هذه المبادرة ضمن تعاون بدأ بين «آفاق» و«نتفليكس» لدعم صانعات الأفلام في المنطقة، مع التركيز على التدريب العملي وإتاحة فرص التطور المهني.

أفلام «آفاق» في مهرجان الجونة السينمائي 2026

ومن أبرز محطات الحضور السينمائي المرتقبة مشاركة أفلام مدعومة من «آفاق» في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، المقرر إقامتها خلال الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026.

وتؤكد أحدث معلومات «آفاق» مشاركة أربعة أفلام مدعومة من الصندوق في المهرجان، إلى جانب أربعة مشروعات أخرى في مرحلة التطوير ضمن منصة «سينما الجونة».

ومن الأفلام الأربعة:

- The Return of Captain Kabonga للمخرج المصري أمير الشناوي، وهو فيلم وثائقي يتابع مجموعة من المصارعين الهواة من الإسماعيلية ومدربهم المخضرم، ويشارك في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة.

- Safe Exit للمخرج المصري محمد حماد، وهو فيلم إثارة نفسية يتناول آثار الصدمات الموروثة، وسبق عرضه في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2026، ويشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.

- I Broke a Vase للمخرج اليمني عاصم عبد العزيز، ويشارك في مسابقة الأفلام القصيرة.

- Someday, a Boy للمخرجة اللبنانية ماري روز عوطة، ويشارك أيضًا في مسابقة الأفلام القصيرة.

أما مشروعات الأفلام الأربعة المشاركة في منصة CineGouna Funding فهي: «Of Debt and Money» لحسام سنسة من تونس، و«Besso» لمسلم حبيب من العراق، و«House N7» لراما عبدي من سوريا، و«Lily’s Makkah» لمروة زين من السودان.

كما تشارك مديرة برامج الأفلام في «آفاق» سوليل غربية في أنشطة منصة «سينما الجونة» لتقديم الإرشاد للمشروعات السينمائية قيد التطوير.

التصوير الفوتوغرافي.. أعمال عربية في أوروبا

لا يقتصر نشاط «آفاق» على السينما، إذ يواصل برنامج التصوير الفوتوغرافي الوثائقي العربي ADPP دعم المصورين العرب وتوفير فرص لعرض مشروعاتهم خارج المنطقة.

وفي سبتمبر 2026، قدم خريجا البرنامج صادق الحراصي وأميرة إلناال أعمالهما في مهرجان «سلايدفيست» في أمستردام، بينما عرض علي حاج سليمان مشروعه «العودة إلى العدم» في البرلمان الأوروبي في بروكسل، وشارك عبدو شنان بمشروعه «جاف» في مهرجان «لا نو» في برشلونة.

وتندرج هذه المشاركات ضمن أهمية شبكات العرض والتبادل الدولي بالنسبة للمصورين العرب، خصوصًا في مجال التصوير الوثائقي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الوصول إلى الجمهور والمؤسسات الثقافية والمتاحف والمهرجانات.

«فيتا».. الحفاظ على التراث الموسيقي الإفريقي

ومن المشروعات التي يسلط «آفاق» الضوء عليها مشروع «فيتا – مكتبة الآلات الموسيقية الإفريقية»، الذي أسسه غيتا خالدي وميشيل ندوه ندوه من المغرب والكاميرون.

ولا يركز المشروع على جمع الآلات الموسيقية التقليدية فقط، وإنما يتعامل معها باعتبارها جزءًا من منظومة معرفية متكاملة تشمل طرق تصنيعها وعزفها، والمجتمعات التي ارتبطت بها، والتاريخ الثقافي الذي تحمله.

ويقوده في المغرب مشروع «أفريكاينا»، بالشراكة مع جمعية «ساندجا» في الكاميرون، ويجمع بين البحث والتوثيق الميداني والمعارض وإتاحة المواد رقميًا.

وبحسب «آفاق»، تضم مجموعة «فيتا» حاليًا أكثر من 70 آلة موسيقية، إلى جانب أرشيف رقمي مفتوح وتوثيق ميداني للمعارف والتقنيات الحرفية المهددة بالاندثار.

وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في المشروع: الحفاظ على التراث لا يتحقق بمجرد حفظ القطعة المادية، وإنما يتطلب أيضًا الحفاظ على المعرفة التي تمنحها معناها.

«ليس هنا، ليس هناك».. الرواية المصورة في مواجهة انهيار المدينة

في مجال الكتابة والفنون البصرية، يلفت «آفاق» الانتباه إلى الرواية المصورة «ليس هنا، ليس هناك» للروائي اللبناني هلال شومان، الذي سبق أن حصل مشروعه على دعم من برنامج الكتابة الإبداعية والنقدية في «آفاق» عام 2023.

وتتناول الرواية أسئلة مرتبطة بالتكيف مع المأساة، ومعنى الموت، وإمكانية الاستمرار في مدينة تنهار، فضلًا عن الأسئلة المرتبطة بالرحيل والبقاء.

وتتداخل في العمل الكتابة مع الرسم، حيث شاركت الفنانة إيما حراكة في إنجاز الرواية المصورة، بما يجعل الصورة جزءًا أساسيًا من بناء السرد وليس مجرد عنصر توضيحي.

«إرث النور».. الذاكرة العائلية عبر عدسة الأب

ومن المشروعات الفنية التي يوصي بها الصندوق معرض «إرث النور» للفنان سفيان بكوري، الذي ينطلق من أرشيف عائلي ومن كاميرا والده الراحل.

يعيد الفنان تصوير الأماكن التي تظهر في صور والده، مستعينًا بالكاميرا نفسها، في محاولة لفتح حوار بصري مع الماضي ودراسة العلاقات الأسرية والذاكرة والصدمات وإمكانية التعافي من خلال الفن.

ومن المقرر افتتاح المعرض في 17 أكتوبر في «لا شامبر كلير» بالعاصمة الجزائرية.

«L'Brahech».. الهوية والانتماء في عرض راقص مغربي

وفي مجال الفنون الأدائية، يبرز عرض «L'Brahech» لفرقة «We the Lions» المغربية، وهو عمل راقص يشارك فيه ستة راقصين، ويتناول موضوعات الفردية والانتماء والألفة والتراث الثقافي.

ويستكشف العرض التجارب الأولى للإنسان ورحلته في البحث عن الهوية، من خلال لغة الجسد والحركة، بينما يرتبط عنوان العمل بكلمة «البراهش» في الدارجة المغربية، في إشارة إلى الأطفال أو الصغار.

ومن المقرر تقديم العرض في قصر السعدي بمراكش يوم 24 أكتوبر.

ماذا تكشف أنشطة «آفاق» عن المشهد الثقافي العربي؟

عند النظر إلى هذه الأنشطة مجتمعة، يصبح من الصعب اختزال دور «آفاق» في مفهوم «منح مالية للفنانين». فالمؤسسة تعمل عبر مجموعة مترابطة من الأدوات: المنح، التدريب، الإرشاد، بناء الشبكات، التبادل الإقليمي، إنتاج المعرفة، إتاحة الأعمال للجمهور، وربط المبدعين العرب بمؤسسات ومنصات دولية.

وهذا الاتجاه يظهر بوضوح في برامجها الحالية؛ فبرنامج شمال إفريقيا الثقافي يركز على المؤسسات والشراكات، وبرنامج اليمن يركز على بناء القدرات والاستدامة، وبرنامج «نساء في السينما» يركز على تطوير المهارات العملية، بينما تتيح أسابيع السينما والمهرجانات مساحة للوصول إلى الجمهور والنقاد وصناع الصناعة.

وتكشف الأرقام المنشورة من المؤسسة أيضًا عن اتساع نطاق عملها. فبحسب بيانات «آفاق» الحالية، تأسست المؤسسة عام 2007، ودعمت أكثر من ألفي مشروع، بينما تشير صفحة التقييم الخاصة بالذكرى العشرين إلى أنها قدمت أكثر من 43 مليون دولار في صورة منح لأكثر من 2600 فنان ومؤسسة في 22 دولة عربية ومجتمعات الشتات.

من التمويل إلى بناء المنظومة الثقافية

الأهم في تجربة «آفاق» أن الدعم لا يتوقف عند إنتاج العمل الفني نفسه. فجزء كبير من البرامج الحالية يتعامل مع مشكلة أوسع: كيف يمكن بناء بيئة تسمح للعمل الثقافي بالاستمرار؟

وهذه المسألة تبدو أكثر إلحاحًا في البلدان التي تعاني من الحروب أو الاضطرابات أو ضعف البنية الثقافية. ففي اليمن، على سبيل المثال، يصبح تطوير الإدارة والتمويل والتخطيط جزءًا من حماية القطاع الثقافي نفسه. وفي شمال إفريقيا، يتحول التعاون بين المؤسسات إلى أداة لتبادل المعرفة وبناء شبكات مستدامة. وفي السينما، يصبح التدريب والإرشاد جزءًا من محاولة سد الفجوة بين الموهبة والإنتاج الاحترافي.

ومن ثم، فإن القيمة الأساسية لهذه البرامج لا تقاس فقط بعدد الأفلام أو المعارض أو المنح التي تم إنتاجها، وإنما بقدرتها على تكوين شبكات بشرية ومؤسسية قادرة على إنتاج الثقافة وتداولها وحفظها.

وفي منطقة عربية تتعرض ذاكرتها وأرشيفها ومؤسساتها الثقافية لضغوط متزايدة، تبدو هذه المهمة أكثر تعقيدًا من مجرد تمويل مشروع فني واحد؛ فهي تتعلق بالسؤال الأوسع حول من يملك القدرة على حفظ الحكايات والصور والأصوات، ومن يستطيع تحويلها إلى معرفة وفن يصلان إلى الأجيال التالية.

وتقدم أنشطة «آفاق» خلال خريف 2026 صورة واضحة لهذا التوجه: سينما تبحث في الذاكرة والحرب والمدينة، برامج تدريبية تفتح المجال أمام جيل جديد من صانعات الأفلام، مؤسسات ثقافية تعمل على تطوير أدواتها، ومشروعات توثق التراث والهوية، إلى جانب أعمال فنية تحاول إعادة قراءة الماضي من خلال الصورة والكتاب والجسد.

وبذلك تواصل المؤسسة، بعد ما يقرب من عقدين على تأسيسها، العمل على الفكرة التي قامت عليها منذ البداية: أن دعم الثقافة لا يعني فقط تمويل إنتاج عمل فني، وإنما توفير الظروف التي تسمح للفنانين والمؤسسات الثقافية بأن يواصلوا إنتاج المعرفة والخيال والحوار في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً:

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال