أدونيس ونوبل.. بين القيمة الأدبية وصناعة المرشح الدائم

في كل موسم من مواسم جائزة نوبل في الأدب، تتجدد التكهنات بشأن الأسماء التي يمكن أن تحظى بالجائزة، ويعود اسم الشاعر السوري أدونيس، واسمه الأصلي علي أحمد سعيد إسبر، إلى واجهة النقاشات الثقافية والإعلامية. وعلى امتداد سنوات، اكتسب الشاعر وصف «المرشح الدائم»، حتى بدا ظهوره في التوقعات السنوية ظاهرة تستحق البحث في أسبابها، وليس مجرد مناسبة لاستعراض سيرته الأدبية.


أدونيس
أدونيس


لكن وراء هذا التكرار سؤال أكثر أهمية: هل يعود حضور أدونيس إلى قوة تجربته الشعرية ومكانتها العالمية، وإلى طبيعة علاقته بالتراث والحداثة والجدل المحيط بأفكاره ومواقفه السياسية والثقافية، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى صناعة إعلامية تتجدد كل عام مع اقتراب إعلان الجائزة؟

وهل يكفي تكرار اسم كاتب في الصحافة الدولية سنوات طويلة للاستدلال على قربه من الفوز، أم أن التوقعات الإعلامية قد تصنع انطباعًا عن المنافسة لا يعكس بالضرورة ما يدور داخل الأكاديمية السويدية؟

الإجابة تقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات: القيمة الأدبية لأدونيس، والصورة التي صنعتها التغطية الإعلامية حول فرصه، والمعلومات الرسمية المتعلقة بترشيحه. فهذه المستويات قد تتقاطع، لكنها لا تعني الشيء نفسه، ولا يجوز استخدام أحدها دليلًا قاطعًا على الآخر.

أدونيس.. من قرية القصّابين إلى المشهد الأدبي العالمي

وُلد علي أحمد سعيد إسبر عام 1930 في قرية القصّابين بمحافظة اللاذقية في سوريا، واختار لنفسه اسم أدونيس، المستمد من الأسطورة الإغريقية، ليصبح واحدًا من أبرز الأسماء المرتبطة بتجديد الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

درس الفلسفة في جامعة دمشق، وتخرج فيها عام 1954. ثم انتقل إلى بيروت، حيث اتسع نشاطه الشعري والنقدي، وأسهم عام 1957 في تأسيس مجلة «شعر»، التي أصبحت من المنابر المهمة في النقاش حول الحداثة الشعرية العربية.

وفي عام 1968، أسس مجلة «مواقف»، التي أتاحت مجالًا أوسع لطرح الأسئلة الفكرية والثقافية المتعلقة بالشعر والتراث والتغيير. وانتقل إلى باريس عام 1985، حيث واصل نشاطه الأدبي والفكري.

لم يكن هذا المسار مجرد انتقال جغرافي بين عواصم ثقافية؛ فقد تزامن مع تحولات واسعة في الشعر العربي، ومع صراع فكري حول حدود الموروث وإمكانات التجديد. وفي هذا السياق، برز أدونيس شاعرًا وناقدًا يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والذاكرة والتاريخ والحداثة.

ويصنفه المتحف البريطاني ضمن الشعراء الحداثيين البارزين في العالم العربي، مشيرًا إلى إسهامه في تطوير الشعر العربي الحديث وإلى دوره في تأسيس مجلتي «شعر» و«مواقف». 

أولًا: لماذا يُعد أدونيس من أبرز شعراء الحداثة العربية؟

تنبع أهمية أدونيس من أن مشروعه لم يقتصر على تغيير شكل القصيدة أو التحرر من بعض القوالب الموروثة، بل امتد إلى إعادة النظر في طبيعة الشعر ووظيفته وعلاقته بالثقافة.

فقد شهد الشعر العربي في القرن العشرين تحولات أساسية، من بينها ظهور شعر التفعيلة واتساع التجارب التي تجاوزت البناء التقليدي للقصيدة. ولم يكن أدونيس وحده في هذا المسار؛ فقد شارك شعراء آخرون، من بينهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، في تشكيل ملامح الحداثة الشعرية، وإن اختلفت تصوراتهم الفنية وتجاربهم.

لكن أدونيس منح التجديد بعدًا فكريًا واضحًا. فالتراث في مشروعه ليس مادة ينبغي استنساخها، وإنما مجال لإعادة القراءة والتأويل، كما أن الحداثة ليست مجرد تقليد للنماذج الغربية، بل محاولة لتغيير طرائق التفكير والتعبير من داخل اللغة العربية نفسها.

وتظهر هذه الرؤية في استخدامه الأسطورة والتاريخ والتصوف والرموز الثقافية، وفي ميله إلى بناء قصائد تتعدد فيها مستويات الدلالة، بحيث لا يستقر المعنى دائمًا عند تفسير واحد.

«أغاني مهيار الدمشقي».. تجربة تتجاوز التعبير المباشر

يُعد «أغاني مهيار الدمشقي» من أبرز أعمال أدونيس الشعرية، ومن الكتب التي ارتبطت بتطور تجربته الحداثية. ففيه تتجاوز الشخصية الشعرية حدود السيرة الذاتية المباشرة، لتصبح وسيلة لاستكشاف أسئلة الهوية والتاريخ والتحول.

ولا يعتمد النص على الحكاية الواضحة وحدها، بل يبني عالمه من خلال الرموز والإحالات الثقافية والصور المتداخلة. ويجد القارئ نفسه أمام قصيدة لا تقدم المعنى في صورة جاهزة، وإنما تدعوه إلى المشاركة في اكتشافه.

هذه الخصائص تفسر جانبًا من اهتمام النقاد بتجربته، لكنها تفسر أيضًا جانبًا من الاعتراض عليها؛ فالكثافة الرمزية والتجريد قد يمنحان النص ثراءً تأويليًا، لكنهما قد يجعلان الوصول إليه أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض القراء.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: ما يراه أنصار أدونيس مصدرًا لتميزه الفني، قد يراه منتقدوه سببًا للابتعاد عن التجربة الإنسانية المباشرة أو عن التواصل السهل مع القارئ.

من الشعر إلى النقد والفكر

لم تتوقف تجربة أدونيس عند كتابة القصائد، بل امتدت إلى النقد والفكر، ومن أبرز أعماله «مقدمة للشعر العربي» و«الثابت والمتحول».

في هذه الكتب، تناول قضايا الشعر والسلطة والمعرفة والتراث، وطرح تصورات نقدية عن التحول في الثقافة العربية وعلاقة الموروث بإمكانات التغيير.

وقد جعل هذا الامتداد تجربته أوسع من مشروع شعري منفصل عن محيطه؛ إذ أصبح أدونيس طرفًا في نقاشات تتعلق بتاريخ الثقافة العربية وطبيعة الحداثة وموقع الدين والتراث في الحياة الفكرية.

ومع ذلك، فإن اتساع المشروع لا يعني الاتفاق على جميع أطروحاته. فبعض قراءاته للتراث وطبيعة العلاقة بين الثابت والمتحول تعرضت للنقد، كما أن العلاقة بين أفكاره النظرية ومنجزه الشعري تظل موضوعًا قابلًا للنقاش والتقييم.

وبالتالي، فإن تقدير مكانته لا يتطلب اعتباره شاعرًا بلا نقاط ضعف، وإنما يستلزم النظر إلى أثره الفعلي، وما قدمه من إضافات، وما أثارته أعماله من أسئلة واعتراضات.

ثانيًا: الحضور العالمي.. ماذا تعني ترجمة أعماله والجوائز التي حصل عليها؟

أحد الأسباب التي تفسر تكرار اسم أدونيس في النقاشات المتعلقة بنوبل هو امتداد حضوره إلى خارج العالم العربي. فقد تُرجمت أعماله إلى لغات متعددة، وأصبح موضوعًا للقراءة والدراسة في أوساط أدبية وأكاديمية دولية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الشعر؛ لأن نقل القصيدة من لغة إلى أخرى يواجه تحديات تتجاوز نقل المعنى المباشر. فالإيقاع، والتورية، والإيحاءات الثقافية، والعلاقات بين الكلمات، عناصر قد يتغير أثرها في الترجمة.

وتزداد أهمية هذا التحدي في شعر أدونيس، الذي يعتمد في مواضع كثيرة على استدعاء التراث العربي والأساطير والرموز التاريخية، وهي عناصر قد تحتاج إلى معرفة بالسياق الأصلي حتى تتضح دلالاتها.

لكن انتشار الترجمات لا يعني بالضرورة أن أعمال الكاتب تحظى بإجماع نقدي عالمي، كما أن حضور اسمه في المؤسسات الثقافية الدولية لا يكشف عن موقف الأكاديمية السويدية منه. إنه دليل على أن تجربته تجاوزت حدود لغتها الأصلية وأصبحت متاحة لدوائر أوسع من القراء، لا أكثر من ذلك.

جائزة غوته عام 2011.. محطة بارزة

حصل أدونيس عام 2011 على جائزة غوته الألمانية، وأصبح أول كاتب عربي ينالها. وقد أسهم هذا التكريم في زيادة الاهتمام الدولي بتجربته، خصوصًا أن الجائزة ارتبطت بتقدير إسهاماته الأدبية والثقافية وحضوره في الحوار بين الثقافات.

وفي أغسطس من ذلك العام، نشرت صحيفة «الغارديان» تقريرًا عن فوزه بالجائزة، وذكرت أنه كان يُنظر إليه بوصفه أحد المرشحين المتكررين لجائزة نوبل في الأدب.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: أن يحصل شاعر على جائزة دولية مرموقة، وأن يصبح هذا التكريم سببًا في زيادة توقعات فوزه بجائزة أخرى. الأول واقعة يمكن التحقق منها، أما الثاني فيعكس كيفية تفاعل الإعلام والجمهور مع الحدث، ولا يمثل دليلًا على نتيجة الجائزة التالية.

ثالثًا: هل كان أدونيس قريبًا من نوبل فعلًا؟ درس من عام 2011

تقدم وقائع عام 2011 مثالًا واضحًا على ضرورة التمييز بين التوقعات الإعلامية والنتائج الرسمية.

ففي سبتمبر من ذلك العام، نشرت «الغارديان» تقريرًا عن ارتفاع توقعات فوز أدونيس بجائزة نوبل في الأدب، بعد حصوله على جائزة غوته. واستند التقرير إلى أسواق المراهنات، التي وضعته في مقدمة توقعاتها آنذاك، متقدمًا على أسماء أدبية أخرى. 

لكن الأكاديمية السويدية أعلنت في السادس من أكتوبر 2011 فوز الشاعر السويدي توماس ترانسترومر بالجائزة، وليس أدونيس.

تكشف هذه الواقعة عن آلية تستحق الانتباه: فالتكريم الدولي قد يرفع اسم الكاتب في التوقعات، ثم تتحول هذه التوقعات إلى أخبار متداولة، وقد يقرأ الجمهور كثافة التغطية باعتبارها مؤشرًا على قرب الفوز.

لكن التوقعات، مهما ارتفع مستوى انتشارها، تظل توقعات. وأسواق المراهنات لا تمثل استطلاعًا لآراء أعضاء الأكاديمية، ولا تملك بالضرورة معلومات عن مداولاتها الداخلية.

ولا تعني هذه الواقعة أن التوقعات الإعلامية بلا قيمة؛ فقد تكون مؤشرًا إلى حجم الاهتمام باسم معين في وقت محدد. لكنها لا تصلح وحدها لإثبات أن هذا الاسم يتقدم فعليًا في إجراءات الاختيار.

رابعًا: هل تصنع وسائل الإعلام «المرشح الدائم»؟

هنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز سيرة أدونيس إلى طريقة عمل التغطية الإعلامية لجائزة نوبل.

فمع اقتراب موعد الإعلان، تبحث الصحف والمواقع الثقافية عن أسماء يمكن طرحها في دائرة المنافسة، وتستعيد أسماء تكررت في السنوات السابقة، وتستند أحيانًا إلى آراء النقاد أو قوائم التوقعات أو أسواق المراهنات.

وتتميز الأسماء المعروفة، مثل أدونيس، بأنها توفر مادة جاهزة للتغطية: سيرة أدبية طويلة، وأعمال مترجمة، وجوائز سابقة، ومواقف فكرية مثيرة للنقاش. كما أن وصف «المرشح الدائم» يمنح الخبر عنوانًا جذابًا، ويسمح بإعادة تقديم الشخصية نفسها كل عام من زاوية جديدة.

لكن تكرار الاسم لا يعني بالضرورة أن وسائل الإعلام تتلقى معلومات جديدة في كل موسم. فقد تنقل مؤسسة إعلامية توقعًا نشرته جهة أخرى، ثم تعيد مواقع متعددة صياغته، فيبدو الأمر كما لو كان إجماعًا واسعًا، بينما تعود بعض التغطيات إلى المصدر نفسه أو إلى مجموعة محدودة من التوقعات.

وهذه مشكلة معروفة في قراءة الأخبار: تكرار المعلومة لا يساوي تعدد الأدلة عليها، فإذا نشرت عشر وسائل إعلام أن أدونيس مرشح بارز، ينبغي السؤال: هل استندت كل وسيلة إلى مصدر مستقل؟ هل نقلت تصريحًا رسميًا؟ هل قدمت معلومات جديدة؟ أم أنها أعادت تدوير توقع سابق؟

هذا التمييز ضروري قبل الانتقال من ملاحظة التغطية الإعلامية إلى الاستنتاج بوجود حملة دعائية موجهة.

هل يمكن وصف الأمر بأنه دعاية إعلامية؟

من الممكن القول إن الإعلام يسهم في صناعة صورة «المرشح الدائم» عبر تكرار الاسم وتقديمه في سياق التوقعات السنوية. لكن وصف هذه العملية بأنها دعاية موجهة يتطلب دليلًا إضافيًا، مثل إثبات وجود تنسيق منظم أو جهة تعمل بصورة متعمدة على دفع الاسم إلى الواجهة لتحقيق هدف محدد.

أما مجرد تكرار اسم أدونيس، أو استفادة وسائل الإعلام من شهرته، فلا يكفي لإثبات وجود مثل هذه الحملة.

والأقرب إلى الدقة أن نفرق بين صناعة التوقعات الإعلامية، وهي ظاهرة يمكن رصدها في الأخبار المنشورة، وبين الدعاية المنظمة، وهي ادعاء يحتاج إلى أدلة مستقلة.

كما لا ينبغي افتراض أن الإعلام هو الذي صنع مكانة أدونيس من البداية؛ فمشروعه الشعري والنقدي سابق على كثير من التغطيات المتعلقة بنوبل، وله حضور موثق في تاريخ الحداثة الشعرية العربية. وفي الوقت نفسه، لا يجوز اعتبار تكرار اسمه دليلًا على أن فرصه تتجدد أو تتقدم كل عام.

إذن، قد يسهم الإعلام في إبقاء اسمه حاضرًا، لكنه ليس التفسير الوحيد لهذه الظاهرة، ولا يوجد ما يثبت أن جميع التغطيات تتحرك وفق خطة واحدة.

خامسًا: الجدل حول أدونيس.. عامل أدبي أم سياسي أم إعلامي؟

لا تنحصر شخصية أدونيس في تجربته الشعرية، بل تمتد إلى مواقفه من الدين والتراث والحداثة والسياسة. وقد أسهم هذا الاتساع في جعله موضوعًا دائمًا للنقاش، سواء بين النقاد أو في وسائل الإعلام.

فعلى المستوى الفكري، أثارت قراءاته للتراث الإسلامي والعربي نقاشات واسعة، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقة الثقافة بالدين، وبكيفية تجاوز البنى التقليدية في التفكير والإبداع.

أما على المستوى السياسي، فقد أثارت مواقفه من الثورة السورية والانتفاضات العربية خلافات حادة. وفي عام 2012، تناولت صحيفة «الغارديان» تحفظاته على مسارات الربيع العربي، والانتقادات التي واجهها بسبب موقفه من القوى التي تصدرت المشهد السياسي في تلك المرحلة. 

وتكشف هذه الخلافات عن التداخل بين صورة الكاتب بوصفه صاحب مشروع أدبي، وصورته بوصفه مثقفًا يتدخل في القضايا العامة. وقد يقرأ بعض الجمهور أعماله في ضوء مواقفه السياسية، بينما يفصل آخرون بين تقييم قصائده والحكم على آرائه.

لكن لا تتوافر معلومات علنية تسمح بالقول إن هذه المواقف حسنت فرصه في نوبل أو أضعفتها. كما لا يجوز افتراض أن الأكاديمية السويدية تتعامل مع مواقفه وفق تفسير واحد، لأن تفاصيل تقييمها للمرشحين ومداولاتها لا تُعلن في حينها.

والأهم أن الجدل السياسي لا يلغي القيمة الأدبية تلقائيًا، كما أن القيمة الأدبية لا تمنح صاحبها حصانة من النقد. فكل من التجربة الشعرية والموقف العام مجال مستقل للتقييم، وإن كانا يتداخلان في استقبال الجمهور للكاتب.

سادسًا: ماذا تقول القواعد الرسمية عن ترشيحات نوبل؟

من أكثر أسباب الالتباس شيوعًا استخدام كلمة «مرشح» من دون توضيح معناها.

فالأكاديمية السويدية لا تعلن أسماء المرشحين لجائزة نوبل في الأدب عند تقديم الترشيحات، كما لا تكشف عن مداولات الاختيار أو الآراء المتعلقة بالمرشحين إلا بعد مرور خمسين عامًا.

وتؤكد مؤسسة نوبل أن أسماء المرشحين ومعلومات الترشيح تخضع لهذه السرية. 

وبالتالي، فإن وصف أدونيس بأنه «مرشح دائم» قد يُستخدم في الصحافة بمعنى أنه اسم يتكرر في التوقعات، لكنه لا يثبت أنه رُشّح رسميًا في كل دورة.

وهناك أيضًا فارق بين تقديم ترشيح رسمي، وبين اختيار اسم ضمن مجموعة أضيق للدراسة، وبين الفوز النهائي. فهذه مراحل مختلفة، ولا تتوافر للجمهور معلومات حديثة تسمح بتحديد موقع أدونيس داخلها.

لذلك لا يمكن الجزم بأنه رُشّح في سنة معينة أو وصل إلى القائمة القصيرة اعتمادًا على مقال صحفي أو قائمة مراهنات وحدهما. كما لا يمكن استنتاج أن اسمه غائب عن الترشيحات لمجرد أن الأكاديمية لم تعلن عنه؛ فالسرية تمنع الاستدلال في الاتجاهين.

سابعًا: هل يمثل أدونيس الأدب العربي في انتظار نوبل؟

منذ فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب عام 1988، لم يفز كاتب عربي آخر بها حتى الآن. وقد أسهم هذا الغياب في تكرار النقاشات حول الأسماء العربية التي يمكن أن تحصل على الجائزة، وكان أدونيس أحد أبرز الأسماء التي تظهر في هذا السياق.

لكن اختزال الشاعر في كونه ممثلًا لأدب ينتظر دوره يختزل تجربته أيضًا. فالأدب العربي ليس صوتًا واحدًا، بل يضم تقاليد وأجناسًا أدبية وتجارب متباينة، ولا يمكن اختزال فرصه العالمية في اسم واحد.

كما أن نوبل لا تعمل وفق نظام معلن لتوزيع الجوائز بين اللغات أو القارات، ولا توجد قاعدة تلزم الأكاديمية بمنح الجائزة لكاتب عربي بعد مرور مدة محددة على فوز نجيب محفوظ.

ومن ثم، فإن الحديث عن ضرورة حصول الأدب العربي على اعتراف عالمي أوسع يختلف عن القول إن أدونيس يستحق الجائزة لمجرد أنه شاعر عربي بارز.

يمكن الدفاع عن أهمية تجربته من خلال أعماله وتأثيره في الشعر العربي، كما يمكن مناقشة مدى استحقاقه للجائزة وفق قراءة نقدية مستقلة. لكن لا ينبغي تحويل الرغبة في تكريم الأدب العربي إلى دليل على قرب فوز كاتب بعينه.

ثامنًا: لماذا لا تكفي الشهرة أو الجوائز السابقة للتنبؤ بالفوز؟

توضح تجربة نوبل أن الشهرة الدولية والترجمات والجوائز السابقة لا تمنح أي كاتب ضمانًا للفوز.

فالجائزة تُمنح في كل دورة لكاتب واحد، بينما تضم الساحة الأدبية العالمية عددًا كبيرًا من التجارب المهمة التي تختلف في لغاتها وأجناسها وطرائقها الفنية.

وقد يحظى كاتب باهتمام إعلامي واسع من دون أن يفوز، بينما يذهب الاختيار إلى كاتب لم يكن في صدارة التوقعات الشعبية. ولا يعني ذلك أن توقعات الجمهور عديمة القيمة، بل يعني أنها لا تكشف بالضرورة عن معايير التقييم الداخلية أو عن كيفية تطبيقها على الأعمال المختلفة.

وفي حالة أدونيس، لا توجد طريقة موثوقة لتحويل مكانته الأدبية أو عدد الجوائز التي حصل عليها إلى احتمال رقمي للفوز. وأي نسبة مئوية تُطرح من دون نموذج معلن وبيانات مناسبة ستكون أقرب إلى الانطباع منها إلى التقدير العلمي.

كذلك فإن عدم فوزه لا يثبت أنه تعرض للتجاهل المتعمد، كما أن تكرار اسمه لا يثبت وجود حملة تدعمه. فكلا الاستنتاجين يحتاج إلى أدلة مستقلة تتجاوز التوقعات الإعلامية.

أدونيس بين القيمة الأدبية وصناعة التوقعات

يتكرر اسم أدونيس في الحديث عن جائزة نوبل في الأدب لأسباب تتداخل فيها عناصر أدبية وثقافية وإعلامية. فمن ناحية، يمتلك تجربة مؤثرة في الحداثة الشعرية العربية، وقدم أعمالًا في الشعر والنقد والفكر، وحظي حضوره باهتمام دولي تُوّج بجوائز مرموقة، من بينها جائزة غوته عام 2011.

ومن ناحية أخرى، أسهمت التغطية الإعلامية وأسواق المراهنات في تقديمه مرارًا بوصفه أحد المرشحين المحتملين، كما حدث بوضوح في عام 2011، حين تصدر توقعات بعض المراهنين قبل أن تذهب الجائزة إلى توماس ترانسترومر.

أما الجدل حول مواقفه الفكرية والسياسية، فقد جعل شخصيته موضوعًا للنقاش خارج حدود الشعر، لكنه لا يقدم دليلًا على طبيعة فرصه داخل الأكاديمية السويدية.

لذلك لا يمكن القول إن تكرار اسم أدونيس مجرد دعاية موجهة، كما لا يمكن اعتباره دليلًا على قربه الدائم من الفوز. ما يمكن إثباته هو أن له مكانة أدبية مهمة، وأن الإعلام أعاد إنتاج صورته بوصفه مرشحًا محتملًا في مواسم متعددة، بينما تظل حقيقة ترشيحاته الحديثة وتفاصيل مداولات الجائزة غير معلنة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نقرأ أدونيس لأنه شاعر يستحق القراءة والنقاش، أم لأن موسم نوبل يعيد اسمه إلى الواجهة كل عام؟ ربما لا يستبعد أحد الأمرين الآخر، لكن الإجابة النقدية تقتضي ألا نجعل التوقعات بديلًا عن قراءة الشعر، وألا نحول التكرار الإعلامي إلى دليل على الاستحقاق أو على وجود مؤامرة دعائية.

فالقيمة الأدبية تُناقش من خلال الأعمال وأثرها، أما الفوز بنوبل فيظل قرارًا مستقلًا لا يمكن استنتاجه من الشهرة وحدها.

مراجع: 

اقرأ أيضاً:

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال